.:: بنت المرزوقي::. .:: أيمن الشعباوي::. .:: تكريم النجم عبدالرحمن إبراهيم::.
شعار شعب الإمارات :: إمــاراتنا حبيبة .. قيــادتنا رشـــيدة .. كلنا خليـــفة وحكامـــنا وأوليـــاء العهود الكـــــرام ..
تابعونا عبر تويتر
الإهداءات

فعاليات المنتدى


العودة   |::..::| شعب الإمارات |::..::| > ۩۞۩ شعب الإمارات العام ۩۞۩ > °•| ملتقى همس القوافي ونبض المشاعر |•°

-->
إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 28-07-2009, 02:00 AM   رقم المشاركة : 1
معلومات العضو
إدارة المنتدى
 
الصورة الرمزية الحب خالد
 

 

إحصائية العضو









الحب خالد غير متواجد حالياً
المسابقه الرمضانيه  
مجموع الاوسمة 2


الرسالة الشخصية

سـبـ ح ـان الله و بـ ح ـمـدهـ ,، سـبـ ح ـان الله الـ ع ـظـيـم

MMS

Exll .: كتاب رؤيتي لصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل متكوم :.


 

: : بسم الله الرحمن الرحيم : :

كتاب رؤيتي للقائد الشيخ محمد بن راشد ال مكتوم

تعدر على البعض الحصول عليه و هو غير متوفر بالمواقع
موجودة فقط بعض المقتطفات منه

يمكن موجود فقط بموقع واحد فقط نقلته لكم منه

و ان شاء الله ستستفيدون كثيرا منه لانه كتاب خاص جدا غير كل الكتب



المقدمة

سألني أحد الصحافيين ونحن في العشر الأواخر من رمضان : لو منّ الله عليك برؤية ليلة القدر فماذا كنت ستتمنى ؟ أردت القول : كنت أتمنى أن يُعلي ربي القدير شأن الإمارات ويعز شعبها ويزيد خيرها، لكني استوقفت نفسي لحظة وفكرت لحظات وقلت لو اني تمنيت كل هذا وأكثر منه لكل الأمة العربية فهل كنت سأحرم شعبي من أمنيتي وهو الجزء الإماراتي الألصق بالقلب من الكل العربي الذي يعيش فيه؟
يقول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلام: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه)، وأحب لإخواني وأخواتي في العروبة ما أحبه وأريده لإخواني وأخواتي في الإمارات. أريد لهم الوصول إلى مستويات الدول المتقدمة. أريد لهم أن يأخذوا بزمام الأمور. أريد لهم الامتياز في كل شيء، وأريد لهم الريادة. هذا ما نحاول الوصول إليه في الإمارات ودبي عبر الإنجازات التي أعاننا الله على تحقيقها والإنجازات الأكبر التي نعمل على تحقيقها بإذنه تعالى، وكل هذا يدعو إلى الفخر ولكن لن يكتمل الفخر ولا الاعتزاز ما لم يعمّ الخير والإنجاز والامتياز كل العرب.
أكثر ما يحزنني هو حال هذه الأمة، وأرى الحزن يزداد بسبب واقع محزن، فيخففه التفاؤل بمستقبل سعيد وأقول لنفسي وللآخرين : كل هذا اليأس والتشاؤم والخوف عابر عبور الغيمة الوحيدة في السماء الصافية. ما يجمع العرب أكثر بكثير مما يفرقهم، ونرى لدى أمم أخرى ما يفرقها عن بعض أكثر بكثير مما يجمعها لكنها تسير في طريق الاندماج والتكامل.
هذا التشتت العربي الدائم غير طبيعي. الطبيعي ان نكون كتلة واحدة، لكن لن نستطيع تحقيق هذا الهدف إذا ظلت الصغائر تتصدر الكبائر وإذا ظل السلبي يتقدم الإيجابي، أزمة العرب اليوم ليست أزمة مال أو رجال أو أخلاق أو أرض أو موارد فكل هذا موجود، والحمد لله، ومعه السوق الاستهلاكية الكبيرة وإنما أزمة قيادة وأزمة إدارة وأزمة أنانية مستحكمة. نعم، إنها الأزمة الطبيعية التي يفرزها إعلاء حب كراسي الحكم على حب الشعب، وتقديم مصلحة الفرد مصيره على مصير الوطن ومصلحته، ووضع مصالح الجماعات والشلل المحيطة بالقائد فوق مصالح الناس، إنها تسخير الشعب لخدمة الحكومة بدلاً من الوضع الطبيعي العكسي.
أنا فخور بديني، فخور بوطني، فخور بأمتي، فخور بقائدي الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رحمه الله، وفخور بوالدي الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم وبشقيقي الشيخ مكتوم بن راشد آل مكتوم يرحمهما الله، وفخور بشقيقي وبأسرتي وبجميع بنات وأبناء الإمارات وأبناء وبنات الأمة العربية في كل مكان.
تجربتنا المتميزة في الإمارات مثال على ما يمكن ان يتحقق عندما يكرم الله وطناً بقيادة تحب الخير لشعبها وتعمل له لا لنفسها، وتسهر على مصالح المجتمع لا على مصالح المجموعة. إن المصداقية في هذا الشأن تكون بالعمل لا بمجرد القول وهذا يبرز الفارق الكبير بين قيادة تعتبر شعبها ثروة الوطن الحقيقية وبين قيادة أخرى تعتبر شعبها العبء الحقيقي. إنه يبرز اختلافاً كبيراً آخر بين قيادة تحب شعبها وشعب يحب قيادته، وبين قيادة تخاف شعبها وشعب يخاف قيادته.
رؤيتنا جلية وأهدافنا واضحة وطاقاتنا كبيرة وعزمنا قوي ونحن مستعدون. نريد دبي ان تكون مركزاً عالمياً للامتياز والإبداع والريادة وإننا قادرون على تحقيق الامتياز والإبداع والريادة ودعم قيادتنا بإذن الله. نريد دبي ان تكون المدينة العالمية الأولى للتجارة والسياحة والخدمات في القرن الواحد والعشرين لأننا قادرون على توفير الهياكل المتطورة والبيئة المثالية التي تمكنها من القيام بهذا الدور.
نريد دبي ان تكون الأولى في الأمن والأمان وسرعة النمو والثقة التي نحرص على تعزيزها والحفاظ عليها في الأوساط المالية والتجارية والاستثمارية والصناعية الإقليمية والدولية ولن ترضى دبي عن المركز الأول بديلا.
كل المطلوب لتحقيق هذه الأهداف ان نقود الشعب في الطريق الصحيح وننمي في بناته وأبنائه روح الابتكار والإبداع والثقة بالنفس والتصميم على الإنجاز والقدرات القيادية. من يقوم من رأس الهرم سيقوم رأس الهرم، وما هكذا تُصنع التنمية المتميزة. إذن يجب على القائد ان يستخرج القيادات من شعبه لأن جهد التنمية جماعي ويتطلب قيادة جماعية. وإذا أحسن القائد الاختيار فإن هذه القيادات ستسير معه في الطريق الصحيح وستجمع جهدها إلى جهده وعندها فقط سنصل إلى الوجهة التي نريدها.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلام: (الدين النصيحة قلنا لمن ؟ قال لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم). وورد في الحديث الشريف أيضاً : (عن جرير بن عبدالله قال : بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلامعلى إقام الصلاة وإيتاء الزكاة والنصح لكل مسلم).
وغايتي من هذا الكتاب النصيحة وتقديم تجربتنا المتواضعة لإخواننا أملاً في ان تعينهم، لأن حرصنا على مساعدتهم على تحقيق التنمية المتميزة كحرصنا على أنفسنا. الخطأ والصواب مبدأ مناسب للتوصل إلى النتيجة الصحيحة في المختبرات لا في المجتمعات لأننا نتعامل مع البشر فينبغي ان نختار التجربة التنموية الناجحة والمنهج العلمي الذي يمكن تطبيقه في أي دولة عربية لأننا طوّرناه في دولة عربية لشعب عربي يربطه بقاطن المغرب في الدين واللغة والتاريخ والتطلعات أكثر مما يربطه بأي عرق آخر يعيش قربنا.
إيقاع تطورنا متلاحق، وخططنا التنموية طموحة ونتحرك بسرعة على جبهات تنموية عدة ونتعلم باستمرار لكن النصح لا يكون بالعموم أو بما لا يقدر الناس عليه. الفشل معلّم كبير لكن ليس عندنا وقت نتعلم من فشلنا لأننا لسنا ذوي تجربة في الفشل، وكل ما تعلمناه في هذا الإطار جاء من فشل تجارب الآخرين، وأنا أريد أن أجنب إخواني عناء التعلم من تجارب الفشل وأقدم لهم بكل أخوة ومحبة وتواضع تجارب النجاح عسى ان يكون الرجوع إليها طريق تعزيز النجاح الذي نتمناه لهم.
كل الإنجازات التي تحققت في الإمارات إنجازات للعرب جميعاً، وكل مشاريع دبي للعرب جميعاً، وسيتصدر هذا الاعتبار تفكيرنا في كل المشاريع التي سننفذها في المستقبل. وهذه كل تجاربنا وخبراتنا نضعها بين أيديهم يختارون منها ما يشاؤون وفوقها التزامنا الأخوي بتقديم كل العون الذي نستطيع تقديمه لمساعدتهم على تحقيقها.
كل متطلبات صنع التنمية العربية المتميزة موجودة اليوم وأنا واثق من صنعها ومن قدرة العرب على العطاء والإنجاز. هذه التنمية المتميزة كانت حلماً في الماضي ثم تجسد الحلم في رؤية صنعت الدولة العربية الكبرى ثم انتكست الرؤية وعدنا إلى الحلم الأول وأعتقد ان هناك فرصة الآن لكي يفيق الحلم من غفوته ويصبح رؤية مرة أخرى رغم كل شيء.
كيف ؟
لا أريد أن أبدأ بشيء لا أستطيع استكماله في هذه المقدمة لذا سأترك لهذا الكتاب مهمة الإجابة عن هذا السؤال.

والحمد لله على نعمه وهو ولي التوفيق.

محمد بن راشد آل مكتوم











التوقيع





 

 


التعديل الأخير تم بواسطة الحب خالد ; 28-07-2009 الساعة 02:51 AM.

   

رد مع اقتباس
قديم 28-07-2009, 02:01 AM   رقم المشاركة : 2
معلومات العضو
إدارة المنتدى
 
الصورة الرمزية الحب خالد
 

 

إحصائية العضو









الحب خالد غير متواجد حالياً
المسابقه الرمضانيه  
مجموع الاوسمة 2


الرسالة الشخصية

سـبـ ح ـان الله و بـ ح ـمـدهـ ,، سـبـ ح ـان الله الـ ع ـظـيـم

MMS

افتراضي


 

نبض التنمية - الفصل الأول

الغزال والأسد

مع إطلالة كل صباح في إفريقيا يستيقظ الغزال مدركاً أن عليه ان يسابق أسرع الأسود عدواً وإلا كان مصيره الهلاك. ومع إطلالة كل صباح في افريقيا يستيقظ الأسد مدركاً ان عليه ان يعدو أسرع من أبطأ غزال وإلا أهلكه الجوع. لا يهم إن كنت أسداً أو غزالاً فمع إشراقة كل صباح يتعين عليك ان تعدو أسرع من غيرك حتى تحقق النجاح.
لقد استطاعت دولة الإمارات العربية المتحدة منذ قيامها عام 1971 ترسيخ مكانتها الحضارية والاقتصادية المتميزة بفضل القيادة الحكيمة والنظرة المستقبلية البعيدة للشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، ولوالدي الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم ولشقيقي الشيخ مكتوم بن راشد آل مكتوم، طيب الله ثراهما، وإخوانهم أصحاب السمو حكام الإمارات.
وخلال هذه الفترة كان لدولة الإمارات السبق في عدد كبير من الإنجازات المرموقة على مستويات وحقول عدة لكن السباق لا يزال مستمراً. إذا وضعنا في اعتبارنا ضرورة الاستمرار في تحقيق المزيد لاستغلال أكبر عدد من فرص التنمية المتاحة في إطار العولمة فربما أمكن القول بأن السباق الكبير لم يبدأ بعد فكل ما فعلناه حتى الآن هو الاستعداد لمرحلة بدأت في العقدين الأخيرين من القرن الماضي ثم تسارعت خطواتها خلال السنوات السبع الأخيرة كمقدمة لما يمكن أن يصبح أسرع سباق اقتصادي عرفه العالم خلال المئة سنة الماضية.
الجائزة كبيرة والفشل كارثة وطنية وقومية لذا سنعدو مع العدائين كلهم عندما تشرق الشمس في الصباح، ثم سنعدو مع العدائين كلهم عندما تغرب كل مساء لكننا لسنا في السباق لكي نعدو فقط بل نريد الفوز. من يعرف اسم ثاني شخص هبط على سطح القمر أو تسلق قمة إيفرست؟ الحصان الثاني لا يعرفه أحد لذا لابد ان نكون في المقدمة، ثم نريد ان نحقق المهمة الأصعب ونظل في المقدمة.
للتنمية الصحيحة نبض مثل نبض الحياة وكلتاهما لا تعرف التوقف أو الاستراحة أو الهدف النهائي. تنمية الدول وتطويرها بالصورة الصحيحة لا يمكن ان يحدثا صدفة بل من خلال الجهد المتواصل لخدمة المجتمع والوطن والأمة. هذه مهمة كبيرة تتطلب من الحكومة وجميع الناشطين في القطاعين الخاص والعام النهوض بها ووضعها نصب أعينهم وبذل المزيد من العمل والوقت والجهد لتطوير الأداء وزيادة الكفاءة وتوسيع الأسواق وتحسين الخدمات المقدمة لتعزيز قدرات الدولة التنافسية في ظل المتغيرات السريعة التي نعيشها في هذا العالم السريع المتغير.
إن عمق التزامنا تجاه وطننا يحتم علينا خدمة مجتمعنا وتبني قضاياه فالقيادة وكيلة الشعب وواجبها الأول رفعة إلى أعلى مستويات النمو الاقتصادي والتعليم والصحة والأمن والاستقرار والراحة وحرية الحركة. يجب ان نوفر كل هذا الآن، وفي المستقبل. يجب ان نحقق كل الأهداف التي تضمن للشعب دوام الخير والمستقبل الزاهر. لقد وضعتنا قيادة هذه الدولة في المركز الأول ورسخت في نفوسنا الإيمان بضرورة تحقيق التميز في كل المجالات، وكل من يعمل في الحكومة يحمل على عاتقه مسؤولية كبيرة هي العمل بعقله وروحه وقلبه على الاستمرار في تحقيق النجاح تلو الآخر والإنجاز تلو الإنجاز والسبق وراء السبق أسوة بما حققه السلف وما نتوقعه من الخلف. هذا ليس طريق صنع الحاضر فقط بل طريق صنع المستقبل، فالشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، فقيدنا الأعز، لم ينتظر أن يكتب عنه التاريخ بل صنع التاريخ بنفسه، والشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، طيب الله ثراه، لم ينتظر ان يكتب عنه التاريخ بل صنع التاريخ بنفسه، هذه هي القدوة التي نعرفها، وهذه هي الأمثلة التي قدمتها لنا قيادتنا، التاريخ لا يرحم الضعيف ولا يجامل القوي، ونحن أيضاً يجب ألا ننتظر ان يكتب عنّا التاريخ، وليكن كل حرف في سجله إنجازاً أو مشروعاً أو عملاً متميزاً يعزز المكانة التي تحتلها الدولة.

التقدم والتخلف
إن لم تكن في الطليعة فأنت في الخلف. إن لم تكن في المقدمة فأنت تتنازل عن مكانك الطبيعي لصالح منافس آخر ربما كان أقل منك مقدرة واستعداداً وإبداعاً. إن كنت دخلت السباق ولم تفز في المرة الأولى فلا بأس. هذا ليس فشلاً بل كبوة، وجميعنا يعرف ان لكل جواد كبوة. الفشل الحقيقي في رأيي ليس أن تقع على الأرض لكن أن تظل على الأرض عندما يُطلب منك الوقوف. والفشل الأكبر هو ألا تريد أن تقف مرة أخرى. إن كانت كبوة فعليك دراسة أسبابها واكتشاف مكامن الخطأ وتصحيح الوضع والعودة إلى السباق بأسرع وقت ممكن وفي عينيك طموح الفوز. هذا إن كنت تريد الفوز، وإن لم تشأ ان تكون في المقدمة لسبب ما فأنت في الواقع تعترف لنفسك وللآخرين بأنك لست أهلاً لهذه الصدارة وحان الوقت لتتويج فارس جديد والقبول بنتائج الهرولة خلف الأمم العداءة.
نحمد الله أن هذا شيء لا نعرفه في الإمارات لأن قيادتنا تعرف ان (الخلف) في الاقتصاد ليس مجرد موقع. الخلف في الاقتصاد يعني التخلف والصدارة تعني النهضة الشاملة والتنمية الكبيرة. ذاك يعني البطالة والجهل والفقر والمرض وهذه تعني العكس تماماً. التخلف الاقتصادي ليس مجرد تراجع فقط بل وصفة مسموعة لموت بطيء يصيب التنمية. وعندما تتوقف التنمية ينضب النبع الذي يسقي الشعوب فتنشب فيها الأزمات وينهار الأمن والاستقرار وتتقوض الأساسات التي ترتفع فوقها الأمم ويهيمن عليها التسلط والظلم وتخسر خلال سنوات قليلة من الركود معظم النمو الذي كسبته على مدى عقود كثيرة من العدو في مضمار التنمية، والمكانة والاحترام.
عالمنا ليس مثالياً لذا يمكن ان ننظر شرقاً ونجد في بعض بلدان الشرق المنكوبة أمثلة حية على مثل هذه المعاناة. ويمكن أن ننظر غرباً ثم جنوباً ونجد أمثلة مشابهة، لكن لا حاجة لأن ننظر خارج منطقتنا. يمكن الحديث عن الحرب كما يفعل الكثيرون لكني أفضل الحديث عن السلام. لماذا؟ لأن ديننا دين سلام وتحيتنا تحية السلام ومبتدى حديثنا ونهايته هو السلام وحتى كلمة الإعجاب عندنا هي السلام.
أنا وزير الدفاع في دولة الإمارات العربية المتحدة إلى جانب مسؤولياتي الأخرى نائباً لرئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، لذا أعرف ويلات الحروب وأعرف أنها لا تقدم الحلول ولا تنهي المشاكل بل تفاقمها أحياناً. سر عظمة الأمم ليس في جبروتها العسكري ففي العالم اليوم أمثلة عدة على دول تتمتع بقوة عسكرية جبارة لكنها بلا حول لأن قوتها الاقتصادية ضعيفة، وفيه أمثلة على دول لا تملك جيوشاً كبيرة لكنها من القوى الاقتصادية العظمى. الأمم تتقدم على الأمم الأخرى بتقدم اقتصادها وتتراجع بتراجع اقتصادها ولا نعرف في التاريخ أمثلة أثبتت العكس فترة طويلة.
نحن العرب كنا هكذا. كان الإيمان بالله ثم التصميم على الفوز في سباق أمم ذلك الزمان طريقنا إلى مغارب المعمورة ومشارقها. كانت قوتنا الضاربة متقدمة على الأمم الأخرى آنذاك ومكنتنا من تحقيق بعض أعظم الانتصارات العسكرية التي عرفها العالم وبناء أكبر قوة على وجه الأرض في تلك الحقب. لكن للزمن دورة طبيعية تهبط فيها العزائم وتضعف الهمم وتضمحل الدول ولا يبقى من مجدها سوى التراث.
وعندما ننظر من موقعنا الحاضر إلى الماضي سنكتشف ان العرب لم يكونوا قوة عسكرية عالمية فقط متقدمة على كل أقرانها بل كانوا أيضاً قوة اقتصادية وبحرية عالمية متقدمة على كل أقرانها، كما الفينيقيون واليونان والرومان قبلهم، وكما الدول الأوروبية في العصور الأقرب إلينا والولايات المتحدة الآن.
وعندما خرج أبو جعفر المنصور يرتاد موضعاً يبتني فيه مدينة فإنه لم يختر مدينة السلام ببغداد لحصانتها ويسر الدفاع عنها أو لاعتمادها لشن الحرب على الآخرين بل لأنها كانت على مفترق الطرق التجارية والبحرية آنذاك : (هذا موضع معسكر صالح. هذه دجلة ليس بيننا وبين الصين شيء، يأتينا فيها كل ما في البحر وتأتينا الميرة من الجزيرة وأرمينية وما حول ذلك، وهذا الفرات يجيء فيه كل شيء من الشام والرقة وما حول ذلك).
الاقتصاد عصب الحياة اليوم كما كان عصب الحياة في الماضي وسيكون عصب الحياة في المستقبل. إنه الخبز والكتاب والاستقرار والرخاء والسياسة وجوهر العلاقات والمصالح بين الشعوب ومئات الأشياء الأخرى التي يحتاجها الإنسان. وتوافر كل هذا مع عناصر معينة أخرى يمكن أن يسهم في إطلاق شرارة الإبداع في جمهرة معينة من الناس فيندفع كل منهم وراء الرؤية التي يعرفها ويبدأ جهد بناء الحضارة.
معظم الحضارات التي عرفها التاريخ لم تعمر طويلاً ولم تترك بصماتها المستديمة في المسيرة الحضارات الأسبق ثم تعبر الجسور القديمة إلى آفاق جديدة من التطوير والتميز. ومتى؟ عندما يتحول شعب بكامله إلى فريق عمل واحد. نحن اليوم في الإمارات هكذا، ونحن اليوم في دبي هكذا.
ومتى أيضاً؟ عندما يرحم الله شعباً فيرسل فيه قيادة متميزة واعية تطلق عقال الحرية والتميز والإبداع والتطوير لدى المتميزين والمبدعين والمطورين. نحن اليوم في الإمارات هكذا.
هذه هي عموماً معادلة صنع التطور والحضارة وسرها الكبير. خمسون سنة من الإبداع والتميز المكثفين يمكن ان تدفع أمة بأسرها ألف عام.
نحن العرب كنا هكذا. اللغة العربية اليوم هي السادسة في ترتيب لغات أكثر من ستة مليارات شخص لكن جاء يوم كانت العربية لغة العلوم والرياضيات والطب والسياسة والدبلوماسية، وظل العلماء والرياضيون والبناؤون والاطباء والمؤرخون المسلمون والعرب أساتذة الأساتذة وفلاسفة الفلاسفة ومعلمي المعلمين نحو ألف عام.
لكن الحضارة أكثر من هذا. إنها التجارة والصناعة والعمارة ومئات النشاطات الأخرى. في العالم اليوم أين يوجد قصر بمثل جمال قصر حمراء غرناطة، أو ضريح بصفاء تاج محل، أو مسجد برونق وخلود مسجد قرطبة الكبير؟
هذه ليست محاولة لنكء جراح الأمة. كثيرون يفعلون هذا عن قصد أو غيره وأنا أريد ان أتجنب الحالتين داخل هذا الكتاب وخارجه وفي كل المواقف والمناسبات الأخرى لأني أعتقد ان الأمة العربية من أعظم الأمم. نحن نحترم حضارات الآخرين ونعترف باسهاماتها في المسيرة الإنسانية ونقدر في أصحابها اعتزازهم بحضارتهم لأني أعتز بحضارتي. يكفي ان اسمع كلمتي (الحضارة العربية) فأعرف بالضبط ما الذي يعنيه ذلك. يمكن ان استعرض عشرات الخصال والمبادئ التي تتصف بها هذه الحضارة لكن مبدأ واحداً يستوقفني دائماً واعتقد انه يمكن ان يلخص كل شيء بكلمة واحدة سأكشفها للقارئ الكريم في مكانها الصحيح.

المبدع والتابع

أنشدني شاعر مرة قصيدة فاضت على 50 بيتاً فألهمني الله رداً فورياً من ثلاثة أبيات :
يا مرحبا بضيفنا وألف مرحبا
ترحيبة تسمع لها ترجيع

وجيت في دارك وبيتك ومنزلك
في وسط دار والمحل وسيع

والعز له دربين بادع وتابع
واللي حوى الاثنين صار رفيع


ما الذي أقصده هنا؟ إذا واجهت تحدياً يتطلب إيجاد الحل أو اتخاذ القرار فأمامك خياران : إما أن تأخذ فكرة من سبقوك وتتبعها، وإما ان تستفز همة قدراتك الإبداعية وطاقتك العقلية وتطور فكرة جديدة وعملاً جديداً. بعض الأفكار الشائعة مطروحة في درب التنمية الدولي منذ سنين نقلتها دولة عن دولة ثانية والثانية عن الثالثة وامتص الجميع رحيقها فلم يعد فيها من الفائدة شيء. إذا كانت هذه الأفكار (المستعملة) تناسب الآخرين فهي لا تناسبنا لأن طموحاتنا أكبر من هذا بكثير ولا يرتضي لنا الطموح ان نكون تابعين.
المشروع هو الفكرة وإذا لم نجد الفكرة الجديدة فلا نريد المشروع لانه لن يكون مشروعاً جديداً بالمواصفات العالية التي وضعناها لأنفسنا، ولأجل هذا نعتقد ان أقصر طريق للوصول إلى المستقبل المشرق الذي نريده هو طريق الريادة ومن أراد أن يتبعنا بعد ذلك فليفعل.
كل من يعمل في التنمية يبحث عن الأفكار ويقارن هذه بتلك وتلك بالأخرى، وهؤلاء يعرفون من هو صاحب الحلول المبتكرة ومن هو صاحب الحلول المستعملة. لم نصل إلى هذه المرحلة بين ليلة وأخرى لكننا اكتسبنا مصداقية دولية في هذا المجال وصار الآخرون يدرسون حلولنا ويلجأون إليها بعدما جربوا الحلول الأخرى، وأصبحنا نحن الدولة الصغيرة نبني مشاريع وندير موانئ في دولة كبيرة ومهمة مثل الهند وكوريا الجنوبية وهونغ كونغ وغيرها. لم أسمع فكرة تنموية قديمة منذ وقت طويل ولا أريد أن أسمعها الآن أو في المستقبل، ولأجل هذا لا يأتي أحد إليّ بفكرة عتيقة لأننا نريد تنمية رائدة جديدة ولا مكان في الرائد والجديد للمتخلف والعتيق.
إن وجود هذا العدد الكبير من المبدعين ذوي الكفاءات العالية المدفوعين بالرغبة والتصميم على تقديم الأفضل على رأس فريق العمل أو في صفوفه دليل على نجاح سياستنا في تطوير الموارد البشرية، وسنستمر في وضع هذا الهدف في رأس أولوياتنا انطلاقاً من إيماننا بأن أبناء وبنات الإمارات أغلى ما في وطننا، وهم ثروتنا الحقيقية ومفتاح نجاحنا في الحاضر والمستقبل.
وعندما أسمع بعض مديري الشركات يشتكي من صعوبة العثور على الموظفين المناسبين أتساءل كيف توصلوا إلى هذه النتيجة، ولماذا لم يلتقوا مئات الشباب والشابات المدربين والمؤهلين الذين التقيتهم في الاجتماعات والمناسبات الرسمية أو غير الرسمية؟ أعتقد أن مهام مديري الشركات والمؤسسات والمشاريع يجب ان تتضمن اختيار مجموعة مناسبة من الموظفين ذوي الكفاءات العالية وتدريبهم تدريباً خاصاً لكي يصبحوا مديرين مثلهم في المستقبل. لكن هذا لا ينطبق فقط على الشركات فأنا أعتقد أنه من واجب القائد ان ينمي القدرات القيادية لدى من يعرف فيهم الكفاءة والإبداع والاستعداد ليتمكن هؤلاء في الوقت المناسب من تنمية القدرات القيادية لدى العاملين معهم.
هذا يحدث في معظم الحالات لكن ليس دائماً. بعض القياديين والمديرين لا يريد ولا يحبذ وجود رجل ثان كفؤ ومؤهل في الدائرة التي يعمل فيها لأنه يخشى أن ينافسه ويأخذ مكانه. نحن نخالف هؤلاء الرأي فالقيادي لا يستطيع التواجد في كل الأماكن، ولا يستطيع القيام بكل الأعمال في الوقت نفسه. عليه أن يفوض جزءاً من صلاحياته إلى مرؤوسيه وإلا سينهمك بالجزئيات ويغرق في التفاصيل، ولن يجد الوقت الكافي للقيام بالعمل الأساسي الذي يجب عليه القيام به وهو تطوير العمل وابتكار الحلول. إذا استمر هكذا فسوف يتحول إلى إنسان دائم الشكوى من قلة الوقت لا لأنه مثقل بالعمل الخلاق والمجدي بل لأنه يريد متابعة كل صغيرة وكبيرة لذا يغرق في التفاصيل فتضيع عليه الصورة الكبيرة.
وما هي هذه الصورة الكبيرة؟
الصورة الكبيرة بالنسبة له ولنا وللوطن هي البقاء الذي هو محرك الحياة لذا ترى الكائنات كلها وهي تحاول إما اللحاق بفريستها، أو الهروب من مفترسها في كل ثانية من حياتها. البقاء لا يتحقق بالتمني، واستمرار النمو يتطلب جهداً جباراً وانتباهاً كاملاً شاملاً واستعداداً دائماً لكل طارئ محتمل.
نحن نعيش في مجتمعات متحضرة لكن عالم الأعمال يمكن ان يكون مثله مثل الغابة السباق فيها لاقتناص الفرص وتحقيق الأرباح والتوسع. رجل الأعمال الناجح يجب ان يتربص بالفرصة الجيدة ويقتنصها قبل الآخرين. إذا تبدت له لحظة عليه ان يتبينها جيداً، وإذا تأكد أنها الفرصة المناسبة يجب ان يسبق الآخرين إلى تنفيذها. الفرق بين من يقتنص هذه الفرص ومن يضيعها ليس كالفرق بين التوسع والانكماش فقط أو بين الثروة والإفلاس بل كالفرق بين البقاء والفناء. يجب ان نفكر هكذا طول الوقت ومعظمنا يفعل هذا لكن لي كلنا.
جلست وأعضاء الحكومة مرة نستعرض أهدافنا بما يخص الاقتصاد الإلكتروني والتجارة الإلكترونية وتطوراتهما العالمية، وبينت ان علينا ان نستبق الآخرين لاقتناص الفرص التي يمكن ان يتيحها الاقتصاد الجديد. بعض هؤلاء قال : لا، إذا جاء هذا الاقتصاد سنتماشى معه.
قلت لهم : يا إخوان ! هذا الكلام غير مقبول. إذا كنت سأكتفي بالتماشي مع التطورات فإنني سأكون متأخراً. إلى متى سنظل نواكب الأحداث؟ المواكبة لا تعني السبق. إنها تعني السير مع الآخرين. أين التقدم في هذا ؟ إذا كان كل ما تصبو إليه هو الوصول إلى مستوى الآخرين فإنك لن تتقدمهم أبداً. يجب ان نأخذ بزمام الأمور لأننا إن لم نفعل هذا فنحن تابعون ومتخلفون، وكل الخطوات التي نعتقد أننا نخطوها إلى الأمام هي خطوات إما مع المسيرة أو خلفها لذا لا توجد في هذين المكانين الفرص التي نريدها.
لا بد أن نأخذ الأولوية. لابد ان نكون في المقدمة. إن لم نفعل هذا فستفوتنا الفرص الكبيرة ولن يبقى لنا سوى فتات طعام الأسود. الله أعطى المؤمن البصر والبصيرة. البصر ليرى ما حوله في يومه، والبصيرة لكي يحسب عواقب الأمور ونتائجها ويفكر بما يمكن ان يحمله إليه غده. المستقبل سيأتينا بتحديات كبيرة لا يمكن التكهن بها لهذا يجب ان نستعد لكل شيء. هذه التحديات قادمة وكلنا يسمع هديرها فلماذا ننتظر وصولها قبل أن نتحرك؟
تبارك الله تعالى في كل شيء. تجد في الناس القوي والضعيف، الغني والفقير، المتبوع والتابع، المبدع والمقلد، وصاحب البصيرة وفاقدها. جاء وقت كان العرب فيه تابعين ومقلدين، لذا كانوا أمة صاغرة تسير راضية مرضية وراء الأمم الأخرى، ثم تغيرت أحوالهم فعلا مجدهم ونشطت تجارتهم وعمارتهم وعلومهم وفنونهم وصناعاتهم فصارت الأمم الأخرى تابعة لهم وصارت تقلدهم. متى حدث ذلك؟ عندما حققوا ذاك المبدأ الذي يمكن ان يلخص جوهر الحضارة العربية الإسلامية بكلمة واحدة : الريادة.
الريادة في الإسلام، الريادة في الحرب، الريادة في الإدارة، الريادية في العلوم، في العمارة، في التجارة، في الطب والتاريخ والصناعة والدبلوماسية ... الريادة، الريادة، الريادة. ليس على مدى عقدين أو قرنين أو خمسة، بل على مدى ألف عام لذا يمكن القول بأن الحضارة الإسلامية العربية كانت حضارة التميز والريادة.
الحاجة أم الاختراع، لكن الحاجات أنواع وأصناف يمكن ان يندرج بينها مفهوم الريادة. الريادة بالنسبة للعرب آنذاك لم تكن للتباهي بل حاجة حيوية ومطلبا أساسياً ليس للتقدم والازدهار فقط بل للبقاء. عندما طور العرب نظم الإدارة الرومانية مثل البريد والنظام النقدي فإن التطوير كان الوسيلة الوحيدة لتنظيم حياة الناس وضبط الأقاليم الكبيرة التي فتحوها.
وعندما اخترع العرب الشراع المثلث فإنهم فعلوا ذلك لأن وجود هذا الشراع يمكن السفن من الإبحار حتى لو لم تهب الريح القوية المواتية. ما الذي يعنيه ذلك؟ يعني ان التاجر العربي صار يستطيع نقل بضائعه إلى موانئ العالم القديم قبل سفن الآخرين ذات الأشرعة المستطيلة، وبيعها قبل الآخرين وبناء الثروة وفرص العمل قبل الآخرين، أي انه صار تاجراً متميزاً لذا صار البقاء إلى جانبه.
التطبيقات العملية للعلوم التي كان فيها العلماء المسلمون رواداً أكثر من ان تعد أو تحصى. الجغرافيا كانت مهمة لمعرفة الأقاليم وطرق التجارة، وتقدم علم الفلك صار يمكن هذا التاجر من الإبحار ليلاً مهتدياً بمواقع الكواكب والنجوم بدلاً من انتظار طلوع الفجر كما يفعل منافسوه، وتطوير البوصلة صار يمكن التاجر من الإبحار عندما يحجب الغيم النجوم والكواكب، والتوغل في عمق البحار بدلاً من مسايرة الشواطئ، ماذا يعني كل هذا؟ يعني ان حركة التجارة العربية نشطت وصار التاجر العربي ينقل البضائع من ميناء إلى آخر بسرعة ويستطيع تسويقها، بل حتى تسويق محصول سريع العطب مثل التين المنتج في مالقا بالأندلس في (بلاد المشرق والمغرب).
وماذا يحدث عندما يصبح التاجر العربي رواداً؟ ستجدهم في كل موانئ العالم القديم، وستجد أنهم سيطروا على الطرق التجارية البحرية الدولية ومعابرها ومنافذها حول خط تجاري امتد أكثر من عشرة آلاف كيلومتر من شمالي الصين إلى ممباسا على ساحل افريقيا الشرقي.
إذا تساءل البعض لماذا لم تنته الأمة العربية في القرن الثالث عشر، عندما اقتحم الاسبان والفرنسيون أكبر مدن الأندلس وشردوا أكثر من مليوني نسمة، وعندما اقتحم التتار المشرق ودخلو بغداد سنة 1258م وقتلوا المستعصم فلعل الجواب هو استمرار سيطرتهم على الخطوط التجارية البحرية الشرقية. صارت الريادة العسكرية لأمم أخرى، لكن الريادة التجارية في تلك المنطقة المهمة من العالم بقيت في أيديهم، واستمرت كذلك حتى غزت الأساطيل البرتغالية موانئ الخطوط التجارية البحرية الشرقية ومزقت النفوذ العربي على تجارة ناشطة استمرت مئات السنين. فجأة تلاشت الثروة وانتهت مرحلة السيادة التجارية وبدأت مرحلة ساد الأمة فيها الفقر والجهل، وبدأ العرب يتصرفون كأنهم لم يعرفوا في تاريخهم سوى الفقر والجهل. تلك كانت بداية تراجع حقيقي استمر إلى عقود قليلة ماضية فقط.
لقد كان البرتغاليون غزاة مستعمرين وبسطوا سيطرتهم على المناطق التي احتلوها بالقوة العسكرية والبطش لكن سفنهم وصلت إلى الخليج وبحر العرب والهند باستخدام الوسائل العربية أو الوسائل المطورة عن صناعات واختراعات عربية: السفن التي ورثوا أحواض صناعتها من الموانئ العربية في البرتغال، أدوات الثلث والاسطرلاب التي طورها العرب، ونجد مئات من نماذجها في متاحف أوروبا واميركا، والأشرعة. حتى الطريق البحري إلى الخليج والهند استهدوا إليه بمساعدة الملاح العربي أحمد بن ماجد. وهذا كله لا يهم. لا يهم من أين جاء البرتغاليون بسفنهم واسطرلاباتهم وخرائطهم وأدلتهم من الملاحين، المهم أنهم اكتسبوا الريادة بينما خسرها العرب وظلوا أمة بحرية وتجارية رائدة حتى أفل نجمهم يوم هزمهم المغاربة وقتلوا ملكهم سباستيان في معركة القصر الكبيرة عام 1578.

إذا فقدت الأمم العادية ريادتها فإن استعادتها تكون مثل صعود الكسيح الجبال. حتى لو لم ينجح البرتغاليون في قصم ظهر القوة العربية التجارية البحرية، فإن العرب كانوا سيخسرون الحرب التجارية لأنهم خسروا رهان الريادة. الشراع المثلث كان حاسماً في وقته، ثم عندما استخدمته السفن الأسبانية والبرتغالية مطوراً للوصول إلى المستعمرات الأسبانية والبرتغالية في العالم الجديد لكنه لم يعد يعني شيئاً بعد اختراع القوة البخارية ثم المحركات، وبات شيئاً ينتمي إلى الماضي ورمزاً للتخلف. وعندما خسر العرب الحرب التجارية بدأوا يخسرون الحروب الأخرى ثم استقلالهم وعادوا إلى حال التقليد والتبعية لأن (المغلوب)، كما يقول ابن خلدون، (مولع أبداً بالاقتداء بالغالب في شعاره وزيه ونحلته وسائر أحواله وعوائده).
وكان الوطن العربي يعيش وضعاً قريباً من القرون الوسطى التي عرفتها أوروبا عندما بدأت الاختراعات العظيمة اعتباراً من آخر القرن التاسع عشر في تغيير صورة الغرب فصارت له الريادة ووصل إلى مرحلة عالية من التقدم ودانت له الدول وتحولت إلى أسواق استهلاكية لمتوجاته وصناعاته وتجارته.
نحن العرب كنّا هكذا لكن سأبوح لكم بما في خاطري وأقول نحن العرب يمكن ان نكون هكذا مرة أخرى. إن الرؤية لدى جيل معين يمكن أن تنتكس فتتحول إلى حلم لدى جيل أو أجيال أخرى. هذا حدث للعرب في الماضي وأمامنا فرصة تاريخية لتحويل الحلم إلى رؤية مرة أخرى لكن لابد اولاً من ان نستعيد تلك الخصلة التي خسرناها : الريادة.

الاقتصاد الجديد

بعضنا يقفل الباب على نفسه ويغلق النوافذ ويسدل الستائر ثم يطفئ النور ويفتح لنا يديه ويسأل في ظلام دامس : أين هي العولمة؟ لا أرى شيئاً. هذه من السلبيات التي يجب ان نقتلعها من عقولنا ونطرحها أرضاً. القعود في العتمة لن يجعل العولمة تختفي فهي آتية شئنا أم أبينا. في العولمة ضرر ونفع فلنأخذ الصالح منها ونترك الطالح بهدف أساسي هو تقليص الفجوة الكبيرة بيننا وبين الدول الصناعية.
العولمة هي بيئة التعامل الدولي الذي سيسود في المستقبل، ولها الآن مرتكزات اقتصادية وانتاجية واتصالاتية وتقنية متميزة. لا يوجد خطر علينا في عالمية التوجه والسباق فالإسلام عالمي في التوجه والرسالة، والحضارة العربية عالمية التوجه والتطبيق، ورؤيتنا لدبي عالمية في المضمون والامتياز والمنافسة.
إن انتهاج مبدأ العالمية في التجارة والاقتصاد والعلوم والتنور هو الذي عاد على العرب وباقي الأمم الإسلامية بالخير والرفعة فلماذا نريد أن نرفضها الآن بينما نحن أحوج إليها من أي عصر مضى؟ وإذا رفضناها فيما هي البدائل التي نريدها؟ الله خلق الشمس لجميع البشر وأعطى كل إنسان الحق في التمتع بنورها ودفئها لذا لا نستطيع ان نعيش في الأقبية ونشتكي، يجب ان نفتح الأبواب والنوافذ ونخرج إلى الشمس ونسابق وننتزع حصتنا من ثروة العالم وخيره. إذا جلسنا في الأقبية فإننا نتنازل عن حقنا للآخرين ونعطي الخير الذي نستحقه لغيرنا ونحن نريد حقنا كاملاً وخيرنا كاملاً ونأبى ان نكرر أخطاء الماضي عندما أخفقنا في الاستفادة من الثورتين التجارية والصناعية في قرون الغيبوبة الاقتصادية.
وإذا استعرضنا التاريخ الاقتصادي سنجد فيه ملامح واضحة لعصرين إنتاجين أساسين تلاحقا على العالم هما العصر الزراعي والعصر الصناعي وبرزت خلال العقدين الماضيين مقدمات تشكل عصر اقتصادي ثالث يطلق عليه البعض اسم اقتصاد المعلومات. هذا الاقتصاد وضع عالمي مترابط يغطي معظم المجالات لذا فإنه عصر العولمة. إنه يتطلب سرعة فائقة في التجاوب ويعتمد على التقنيات العالية القادرة على توفير هذا المستوى المرتفع من التجاوب لذا فإنه عصر التقنية. إنه اقتصاد غير منظور يهتم بالمعرفة والأفكار المبدعة لذا فإنه عصر العقل المبدع.
الصناعة لم تحل محل الزراعة واقتصاد المعلومات لن يحل محل الاقتصاد الصناعي. الثورة الصناعية لعبت دوراً اساسياً في تطوير الزراعة، وتقدم التقنية لعب دوراً اساسياً في تطوير الصناعة لذا فإن الأهمية الكبرى لاقتصاد المعلومات لا تكمن في قيمته فقط كقطاع قائم بذاته بل في قدرته على تفعيل القطاعات الزراعية والصناعية والخدمية وتعزيز أدائها وتقليص التكلفة وفتح الآفاق التنموية الجديدة وتوليد فرص لا تولدها اقتصادات الزراعة والصناعة والخدمات وحدها. إذا تحقق ذلك فإننا لم نعد نتحدث عن اقتصاد جديد واقتصاد قديم بل عن اقتصاد معلوماتي جديد واقتصاد تقليدي يكملان بعضهما بعضاً لصنع عصر اقتصادي عالمي جديد يجب ان نستفيد منه لتعويض ما أضعناه في الثورتين التجارية والصناعية.
الاقتصاد الجديد لا يقوم على المجمعات الصناعية الضخمة وتسهيلات الإنتاج العملاقة لذا فإن العناصر التي أمّنت الريادة للدول الصناعية ليست العناصر التي ستؤمن الريادة في الاقتصاد الجديد. عمالقة اليوم ربما لن يكونوا العمالقة أنفسهم بعد حين، ومن يعتبرون صغاراً اليوم ربما يصبحون كباراً في المستقبل. الموازين والاعتبارات اليوم لم تعد الموازين والاعتبارات التي كانت سائدة في الماضي، والتطور القائم على التقنيات فائقة السرعة لن يكون بالخطرة والخطوتين فربما تحقق بالقفزة والقفزتين. الاقتصاد الجديد لا يعرف الحدود الجغرافية أو السياسية لذا فإن الخيارات المتاحة للناشطين فيه واسعة، وفي استطاعة هؤلاء العمل في أي مكان تتوافر فيه التسهيلات والخدمات المتقدمة التي يتطلبها نشاطهم.
من سيحقق الريادة في الاقتصاد الجديد؟ إنها الدول التي تتمتع بالقدرة المزدوجة على إتقان استغلال الفرص الجديدة التي يقدمها الاقتصاد الجديد، وإتقان التغلب على التحديات والتقلبات والمشاكل التي ستفرزها محاولات التأقلم مع الاقتصاد الجديد. إنها الدول المبدعة ذات الحركة السريعة التي ستعتمد على المعرفة والمعلومات والأفكار.
دبي تتمتع بالإمكانات الكفيلة بتوفير الظروف المناسبة لنجاح الأعمال في الاقتصاد الجديد فلدينا خبرة مشهود لها عالمياً في مجال التجارة الدولية، وبنية عمرانية وأساسية على أعلى المستويات العالمية، وأحدث المقومات التكنولوجية التي تتجسد في إنشاء أول منطقة حرة في الشرق الأوسط للتجارة الإلكترونية هي مدينة دبي للإنترنت والتكنولوجيا والإعلام التي افتتحت في أكتوبر عام 2000. لكن رغم كل ما حققناه لا نزال في حاجة إلى تعزيز جودة كل الخدمات إذا أردنا ان نتبوأ مركزاً قيادياً في الاقتصاد الجديد. هذا هدف التزم به وسأحرص شخصياً على تحقيقه، وهناك هدف آخر لا يقل أهمية هو أن تحقق دبي مركزاً ريادياً متميزاً في مجال الأعمال المتصلة بالاقتصاد الجديد ليس على المستويين المحلي والإقليمي فقط، بل على مستوى العالم، لذا سنعمل دائماً على أن يجد مجتمع الأعمال في دبي مالا يجده في أي مكان آخر في العالم.
أعرف أن هذه الطموحات كبيرة لكن أعرف أيضاً ان قدراتنا كبيرة وأن تحقيقها يتطلب التغيير واننا مستعدون لهذا التغيير. إذا أردنا أن تصبح دبي مركزاً رائداً في الاقتصاد الجديد فإنه يجب إعادة صياغة مفهوم الحكومة، ويجب ان نتعامل مع الاقتصاد الجديد بأسلوب جديد. تطبيق خطة حكومة دبي الإلكترونية خطوة أساسية ستتلوها خطوات أخرى، لكن الحكومات ليست الطرف الوحيد المعني بالاقتصاد الجديد. يجب على القطاعات التجارية والصناعية والخدمية أن تحدث التغييرات الضرورية وتتجاوب مع المعطيات الاقتصادية الجديدة لكي تتمكن من الاستمرار في تحقيق النجاح والتميز.
البعض كان يقول : الحرب التي كانت على الأبواب صارت في عقر الدار. نعم أنا أعرف ذلك. البعض كان يقول : المشاكل التي كنا نأمل بحلها تفاقمت. نعم أنا أعرف ذلك أيضاً. البعض كان يقول التوتر مستمر ونحن الآن في وجه العاصفة فماذا نحن فاعلون؟ نعم أنا أعرف ذلك أيضاً وغيره لكننا وطن كبير والمطامع بحجمه ويندر أن تنعم الأمم بسلام شامل واستقرار مطلق وهدوء. هذا لم يحدث في الماضي ولكن يحدث في المستقبل وإذا لم نفكر إلا بالحروب والمشاكل والتوتر والعواصف فسنتوقف وسيتوقف معنا الزمن ولا نريد أن نتوقف أو ان يتوقف الزمن لأننا عانينا من التوقف ما يكفي. مهمتنا أن ندرس هذه المشاكل بدقة ثم نختار الطريق المناسب لنا لتوجيه دفة سفينتنا بين الأمواج العاتية إلى بر السلامة والنمو ونحقق الأهداف التي نريدها.
البعض كان يقول : هناك محاذير في الاقتصاد الجديد. أعرف أن هناك محاذير. الإنترنت وهي ليست خيراً كلها لكنها ليست شراً كلها أيضاً. نريد منها الصالح والمفيد ولن نرتضي المساس بديننا وعاداتنا وتقاليدنا، والبعض يقول: هذه الأهداف تتطلب كذا وكذا. وأنا أعرف أنها تتطلب كذا وكذا وغيرهما لكن كل مسيرات التقدم تراكمية. الغرب لم يبدأ تطوره في المواصلات ببناء شبكة طرق سريعة بل بطرق ذات مساق واحد. البعض يقول يجب أن نفعل هذا وأن نفعل ذاك قبل ان نبدأ السباق لاقتناص فرص الاقتصاد الجديد أو الاستفادة منه. هذا أيضاً أعرفه. بعض مناهج التعليم في مدارسنا في حاجة إلى تغيير شامل. لا يوجد تركيز بالصورة المطلوبة على الإبداع وتطوير المهارات لدى الطلاب. هذا صحيح لكني لا أستطيع انتظار تغيير المناهج وتخريج الطلاب المبدعين. إذا انتظرت فلن يجد الخريجون عملاً في المستقبل.
أعتقد أن إحدى المشاكل عند البعض أنهم يتحدثون بطلاقة عن الكومبيوتر والبرمجيات والإنترنت والتجارة الإلكترونية والاقتصاد الجديد لكنهم لم يتمكنوا حتى الآن من التفكير بعقلية الاقتصاد الجديد واستيعاب متطلباته الحقيقية. أهم ما في الاقتصاد الجديد هو الفكرة التي تُنفذ في وقتها. يمكن أن نستعجل الأمور حيناً وأن نتريث حيناً لكن يجب أن نبدأ من نقطة ما وبسرعة ومن دون أخطاء. ولماذا السرعة؟ لأن الأسرع يأكل الأكبر، كما يقولون بالإنكليزية.

ولماذا أيضاً؟ لأن المنافسين ليسوا نياماً وهم يعدون مثلنا وسيحاولون دائماً ان يكونوا في المقدمة. ولماذا؟ لأن المعلومات في زمن التقنية تنتقل بسرعة الضوء. ماذا يعني هذا؟ يعني ان الأفكار تنتقل بسرعة الضوء أيضاً لذا يجب ان يكون تنفيذ المناسب من هذه الأفكار بأسرع وقت ممكن. إن لم ننفذه نحن فسينفذه الآخرون، وإن لم نستفد منه بأسرع وقت ممكن فسيستفيد منه الآخرون، وإن لم نستغل هذه الأفكار بأسرع وقت ممكن فسيستغلها آخرون وسيسوقونها وسيحصدون كل الفوائد المتأتية منها : الثروة، وعشرات الفوائد الجيدة التي توفرها التنمية الجيدة. سيستفيد الآخرون من كل هذا وسيزداد مستقبلهم إشراقاً بينما ستكتنف العتمة الأفق الذي ننظر من خلاله إلى مستقبلنا ومستقبل الأجيال القادمة.
يجب أن نعي تماماً أننا في زمن لا تلكؤ فيه ولا تردد ولا جمود. مفاهيم كثيرة في الاقتصاد والتكنولوجيا والسياسة كانت سائدة حتى سنوات قليلة خلت كلنها أصبحت ملك الماضي وحلت محلها مفاهيم أملتها الضرورة. لا توجد اليوم دولة صغيرة أو كبيرة لا تحاول التأقلم مع الواقع الجديد وإعداد نفسها ومؤسساتها وشركاتها ومواطنيها لما سيحمله المستقبل من التغييرات الكبيرة. هذا زمن تغيرت فيه مفاهيم الدول العظمى والدول الصغيرة على حد سواء فالدول كلها تسن القوانين وتتخذ الإجراءات اللازمة لتحقيق أكبر قدر من النجاح في السنوات الآتية.
هذا زمن تغيرات فيه المفاهيم الإدارية للشركات. خلال السنوات الخمس الماضية سقطت شركات عالمية كبرى لم يكن يتوقع سقوطها أحد، ونهضت شركات صغيرة وحققت نمواً لم يكن يتوقعه أحد. الانهيار الكبير لا يحدث تدريجاً وكذلك النمو. أيام معدودة تكفي لكي تتبخر القيمة السوقية لشركات قيمتها بالمليارات، واكتشاف تقنية جديدة أو منتج جديد ربما يرفع القيمة السوقية لشركة صغيرة إلى المليارات.
إذا كانت الدول العظمى وجدت نفسها مضطرة إلى تغيير مفاهيمها وسياساتها وقوانينها للتأقلم مع الواقع الجديد فما بالك بنا نحن؟ إذا كانت الشركات العملاقة التي تزيد قيمة بعضها على الناتج المحلي الإجمالي لمجموعة من الدول النامية وجدت نفسها مضطرة إلى تغيير مفاهيمها الإدارية فيما بالك بشركاتنا نحن؟ إذا كانت الجامعات والكليات والمدارس في الدول المتقدمة تعدل مناهجها الدراسية لكي تتوافق مع متطلبات الاقتصاد الجديد فما بالك بجامعاتنا وكلياتنا ومدارسنا؟
لابد من التغيير ولا مفر من التأقلم السريع مع واقع متسارع. إذا أردنا أن نكون جزءاً من العالم المتطور وليس جزءاً من العالم المتخلف فعلينا ان نطرح الزحف من تنميتنا ونواكب السرعة الكبيرة التي يتحرك بها العالم لذا لابد من التغيير. إذا أردنا احتلال موقعنا المناسب في هذا العالم لابد من التغيير. ليس التغيير الذي يمكننا من اللحاق بالمسيرة، وليس التغيير الذي يمكننا من مماشاة هذه المسيرة، بل التغيير الذي يمكن أن يحقق لنا السبق في هذه المرحلة ثم الريادة في المرحلة التالية. عشنا في الماضي ما يكفي وكان لذلك ضرورة لكننا نريد الآن المستقبل لذا لا بد من أن نعيش بتفكيرنا وتخطيطنا في المستقبل.
هذا تحد كبير لكن يجب ان أعترف أننا في الإمارات نستمتع بالتحديات. وجود الإمارات تحد وتاريخها تحد، ونموها واستمرارها واحد من أهم التحديات في الخليج وباقي الوطن العربي. إذا كان القائد مؤمناً بربه ثم واثقاً بشعبه ونفسه فلا شيء في التحديات ما يخيف بل على العكس. إنها تشحذ الهمم وتفولذ العزيمة وتطلق شرارة الإبداع في الإنسان لذا ما رأيت في حياتي تحدياً إلا وجدت في نفسي الرغبة لقهره واندفعت إليه بلاد تردد، واعتبر نفسي محظوظاً لأن أعيش في عصر مثير مليء بالتحديات.
عالمنا جديد لم يعرفه آباؤنا وأجدادنا لكن عالمهم كان جديداً أيضاً وكان مليئاً بالتحديات، لذا كان عليهم مثلنا الآن، أن يستيقظوا مبكراً وأن يعدوا أسرع من غيرهم لكي يتجنبوا الهلاك ويحققوا النجاح. لو لم يفعلوا ذلك لما كنا هنا اليوم. هناك تحديات تواجه كل جيل جديد، وتتابع الأجيال ما هو في أحد أشكاله سوى تتابع للتحديات. الفوز في سباق التغلب عليها هو سر الامتياز والريادة والرؤوس مرفوعة، والفشل في قهرها هو سر الهزائم والسير وراء الأمم الأخرى والرؤوس في التراب،
فاختاروا !











التوقيع





 

 


التعديل الأخير تم بواسطة الحب خالد ; 28-07-2009 الساعة 02:05 AM.

   

رد مع اقتباس
قديم 28-07-2009, 02:09 AM   رقم المشاركة : 3
معلومات العضو
إدارة المنتدى
 
الصورة الرمزية الحب خالد
 

 

إحصائية العضو









الحب خالد غير متواجد حالياً
المسابقه الرمضانيه  
مجموع الاوسمة 2


الرسالة الشخصية

سـبـ ح ـان الله و بـ ح ـمـدهـ ,، سـبـ ح ـان الله الـ ع ـظـيـم

MMS

افتراضي


 

مقومات صناعة التنمية - الفصل الثاني

الرؤيــــة

جاءني عدد من تجار دبي يوماً وقالوا : طال عمرك، كنا نريد أن نكاشف والدك بأمر مهم لكن الحياء منعنا، ونعرف أنه يحبك ويسمع منك، فقل له رجاءً عندنا ميناء كبير يسد حاجتنا هو ميناء راشد والبلد في ركود ولا طاقة لدبي الآن بميناء أكبر منه مثل ميناء جبل علي الذي يريده والدك.
سمعت منهم ما شجعني على مفاتحة والدي بالأمر فقصدته في منطقة جبل علي فجراً فوجدته على تلة صغيرة يعاين موضع مشروعه التالي. نقلت إليه الرسالة ثم صمت وانتظرت جوابه فنظر إلي ملياً لكنه لم يقل شيئاً، وكان في يده مدواخه فقلبه لحظات، ثم عاد ونظر إلي وأطرق لكنه لم يقل شيئاً، ولم أجرؤ على طلب الجواب مرة أخرى فانتظرت حتى انتهى من عمله وتعمد أن يركب معي في سيارتي. وما أن انطلقنا معاً حتى أراح قدمه على زاوية الباب كعادته ثم قال : (إسمع يا ولدي! لم أجبك لأني لم أشأ أن يسمع المهندسون جوابي لكن سأقول لك الآن إنني أبني هذا الميناء لأنه يمكن ان يأتي يوم لا تقدرون على بنائه).
لم يفكر أحد قبل والدي في تنفيذ مشروع كهذا لكن والدي فكر فيه ونفذه فكيف اهتدى إليه؟ هذا سؤال لا أعرف جوابا مختصرا له، لكن لو حصرت إجابتي بكلمة واحدة لقلت إنها الرؤية. الله في حكمته يقسّم الارزاق والقدرات والمواهب فلدى البعض رؤية لا تتعدى ما يحمله إليه يومه، ولدى غيرهم رؤى ربما طالت عشر سنين أو مئة أو أبعد. لكن من أين للإنسان العادي ان يمتلك رؤية كهذه؟
للقدرات والعواطف امتدادات وجذور ضاربة في الأعماق مثل الشجر الكبير، وإن كنّا لا نعرف أصول الأشياء أو لا نملك القدرة على تفسيرها وتعريفها فهذا لا يعني أنها بلا أصول. يستطيع القائد ان يطور الرؤية وأن يطلق لخياله العنان في صياغتها ويرفع أغصانها عالياً لكن جذورها تظل في الأرض. والدي تشرب القيادة والقدرة على صنع الرؤى من جدي مثلما ورثهما جدي عن أبيه. لا توجد نهاية لمثل هذه الجذور. أنا ابن قبيلة عربية في النهاية وأبناء القبائل يستقون العلم والحكمة وبعد النظر من أهلهم أكثر مما يستقونها من المدارس. قادة كثيرون لم ينتظموا في المدارس فكانت مدرستهم الحقيقية الحياة والمراقبة الدقيقة لكل ما يجري حولهم، وكان مدرسوهم الحقيقيون أبناء عشيرتهم لذا تجدهم يغزلون على منوال أهلهم وتستجيب تربيتهم لتأثير الوسط والمحيط.
وأستطيع القول بأن حكام دبي تمتعوا أباً عن جد برؤية مستقبلية واضحة لدبي لكن رؤية والدي سبقت عصرها لان والدي سبق عصره. كثيرون حوله لم يعرفوا لماذا يريد تنفيذ كل هذه المشاريع العملاقة، وكثيرون حوله كانوا يجدون صعوبة في فهم طموحه. كان، يرحمه الله، يشرف على التجارة والجمارك بنفسه ويسهر على راحة التجار ويحل مشاكلهم. كان يأذن للتجار المواطنين أو الهنود وسائر التجار من الجنسيات المختلفة بدخول ديوانه قبل موظفي الحكومة. وكان يصلي الفجر ويبدأ جولة على المشاريع في المدينة واحداً واحداً للتأكد من حسن سير العمل.
نحن حملنا راية والدنا مثلما حمل هو راية والده قبله ونابعنا المسيرة. كل الفرق أنه كان يقوم بأعمال في الستينات والسبعينات بينما نقوم نحن بأعمال مشابهة في العقود التي بعدها لكن الهدف واحد هو تنمية دبي وضمان مستقبل المواطنين والمقيمين والسهر على راحتهم وأمنهم في بيوتهم ومدينتهم. والدي وقف في حاضره ونظر إلى بوابة الماضي بعين وإلى بوابة المستقبل بعين، ونحن نقف في حاضرنا وننظر إلى ما أنجزه الوالد بعين وإلى بوابة ما نخطط له بعين لذا من يقف اليوم أمام مبنى مركز دبي المالي العالمي وينظر أمامه سيرى هذا التواصل التنموي المدهش عبر بوابة التنمية المتميزة التي تفتح عيون دبي والمنطقة على العالم وتفتح عيون العالم على المنطقة ودبي إنها الرؤية، وماذا يمكن أن يكون غيرها؟ والرؤية ليست قالباً ثابتاً فيمكن أن تحمل بعض ملامح الحلم، ويمكن للحلم أن يحمل بعض ملامح الرؤية لكن الرؤية ليست حلماً. الحلم عادة نتاج اللاوعي يأتي الإنسان في منامه أو إغفاءته، لكن الرؤية في العموم نتاج الوعي. هل يمكن ان يكون الحلم رؤية في اللاوعي وان تكون الرؤية حلماً في الوعي؟ هذا شيء لا أستطيع إثباته. هل الرؤية من صنف أحلام اليقظة؟ ربما، وفي حالات بعينها فأنا أحلم أحياناً وعيناي مفتوحتان، لكن حلم اليقظة عادة ليس رؤية ما لم تتوافر فيه خاصية حاسمة.
الرؤية ليست علماً فربما انطبق عليها ما تقدم، أو بعضه، وربما شاء البعض معارضة ذلك، لكن إن لم تكن الرؤية علما فما هي؟ فن؟ موهبة؟ هل تتطور لدى الفرد بمعزل عن المحيط أم أن لها علاقة به؟ هل يتوارثها الابن عن الأب، والأب عن الجد، والجد عمن سبقه؟ هل هي مقصورة على القادة أم بإمكان كل شخص ان تكون له رؤية؟
إذا أبعدنا الصفة العلمية عن الرؤية فربما وجدناها تتضمن جزءاً، أو أجزاء، من كل ما تقدم، لكن الخاصية الحاسمة التي لابد أن تتوافر فيها هي التنفيذ وليس مجرد قابلية التنفيذ. كان فتح القسطنطينية بالنسبة للعرب رؤية واضحة حشدوا لها الجيوش وكرسوا لها الإمكانات واستشهد الألوف من أجل تحقيقها لكن تلك المدينة العظيمة استعصت عليهم فتحولت الرؤية إلى حلم. وكان فتح القسطنطينية بالنسبة للعثمانيين حلماً حتى جاء محمد الفاتح فقلب الحلم إلى رؤية وحشد لها الجيوش وكرس لها الإمكانات فسقطت في يديه.
ما الذي يمكن أن نفهمه من سوق هذه الواقعة؟ نفهم أن قابلية التنفيذ لا تكفي. الرؤى لا تصنع الحضارات ولا تحقق النمو والتقدم ما لم يترجم صاحب الرؤية رؤيته إلى حقيقة خلال وقت مناسب. إن لم يحدث هذا فسيان إن اعتبرها الناس حلماً أو رؤية أو حلم يقظة أو خيالاً أو حتى أضغاث أحلام.
كثيرون يتحدثون عن (رؤية) دبي لكن الحديث يجب ان يكون عن الرؤية التي هي دبي. الرؤية كانت الأساس لكن دبي اليوم واقع ملموس. هذا لا يعني ان الرؤية أخذت صورتها النهائية أو أننا وصلنا إلى نهاية الطريق لأننا لا نزال في بدايته رغم كل شيء. صحيح أن الرؤية ليست عالماً لكنها ليست شيئاً مجرداً. إنها امتداد حي لصاحبها، تنبض بالحياة مثله وتكبر معه وتنضج بنضوجه وتتسع باتساع أفقه وتتعمق بتعمق خبرته وتثب فرحا أمام النجاح وترتكس مع الكبوات. التاريخ غير معني بالرؤى أو بأصحابها مالم تتحقق لهذا قلت قبل قليل إن والدي صنع التاريخ لانه نفذ رؤيته وأطلق حركة بناء وتجارة وعمارة لم تعرفها دبي قبله.
والدي علمني شيئاً تعلمته أيضا من المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان ألا وهو التفكير بقهر المستحيل. المستحيل الأول هو قيام اتحاد دولة الإمارات. عندما نفكر في هذا الإتحاد علينا ان نتذكر ظروف الإمارات في تلك الفترة. كان الاقتصاد ضعيفاً والتخطيط محدوداً، وكانت الرعاية الصحية عادية جداً ولم تكن نسبة التعليم كبيرة، وأضف إلى هذا وغيره وجود ضغوط سياسية خارجية، وتشكيك بنجاح هذه التجربة، كان البعض يقول: كيف تنجح هذه التجربة في كيان ليست لديه مقومات الدولة وفي وقت فشلت كل الاتحادات العربية بين دول أكثر رقياً وتطوراً ونضجاً من الإمارات؟
الرقي والتطور والنضج لا علاقة لها بفشل تلك التجارب. كانت النظم الإدارية العربية في تلك الفترة فاشلة فأفشلت جهود الوحدة بين حكوماتها. قيام اتحاد الإمارات علمني وجود شيء اسمه العزيمة ووجود شيء اسمه التصميم. علمني ان هناك قادة لا يحبون كراسي الحكم بل مصلحة شعوبهم لذا لم ينته الاجتماع الذي عقده المرحوم الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان حاكم أبوظبي آنذاك مع والدي المرحوم الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم حاكم دبي آنذاك أيضاً في السمحة بين أبوظبي ودبي في 18/2/1968 إلا وكانا اتفقا على إعلان اتحاد يضم الإماراتين كنواة لاتحاد أشمل، وما ان حلت نهاية العام 1971 حتى كان الإعلان التاريخي عن قيام دولة الإمارات العربية المتحدة والبدء بسريان الدستور المؤقت وتنصيب الشيخ زايد رئيساً للاتحاد.

المستحيل الثاني كان مشروع جبل علي. هذا المشروع الذي لم يستغرق بناؤه سوى سنتين فقط كان في عام 1979 مشروعاً سابقاً لأوانه. إنه مشروع خرافي قياساً إلى إمارة دبي الصغيرة، ولا أعتقد بوجود دار استشارية كانت ستضع له الجدوى الاقتصادية. لو كنت قلت لمستثمرين كبار : هذه منطقة اسمها جبل علي، وهي، كما ترون، منطقة نائية لا ماء فيها ولا شجر ولا بشر وأريد ان أبني عليها أكبر ميناء صنعه الإنسان في العالم مع أن في دبي أكبر ميناء في الشرق الأوسط هو ميناء راشد الذي يضم 35 رصيفاً، فهل كان المستثمرون سيوافقون على توظيف مئات الملايين من الدولارات في مشروع مثل هذا؟ سيقولون أن هذا المشروع مستحيل. لماذا مستحيل؟ لأن العالم كان يمر آنذاك بفترة ركود عميق. كنا قبل سنتين أو ثلاث سنوات من ذلك التاريخ نرى 300 أو 400 سفينة راسية في عرض البحر تنتظر دورها لتفريغ حمولاتها ثم اختفت كل تلك السفن بسبب الركود.
ولماذا ايضا؟ لأن المعتاد ان يذهب الناس بالميناء إلى البحر، لكن والدي كان يريد ان يأتي بالبحر إلى الميناء عبر المساقات المناسبة لغواطس السفن إلى الأرصفة. كثيرون انتقدوا والدي على التفكير في تنفيذ هذا المشروع في تلك المنطقة التي تقع على بعد 35 كيلومتراً جنوب غربي دبي وفي تلك الفترة بالذات لأسباب بدت لهم منطقية جداً، وكثيرون توقعوا للمشروع الفشل، لكن والدي رأى المشروع في إطار رؤية متأصلة تكاد تكون فطرة فنفذه رغم كل شيء وحرك إمارة دبي وصنع شيئاً عظيماً من لا شيء.
لا أريد الإطالة في الحديث عن المستحيلات التي قهرها المرحوم الشيخ زايد ووالدي المرحوم الشيخ راشد خلال بناء الاتحاد، لأن الشواهد موجودة في كل أنحاء الدولة وعلى كل المستويات لذا سأكتفي بالقول إنهما أخبر من عرفتهم بتذليل العقبات وقهر المستحيلات وترجمة الرؤى إلى واقع أوصل الإمارات إلى المكانة الرفيعة التي تحتلها اليوم، ولا عجب إذا في أنهما مثالاي الأعليان.

تأصيل الرؤية
الرؤية الأصيلة ليست رؤية المنام بل رؤية المستقبل لذا ينبغي على القائد أن يتمسك برؤيته انطلاقاً من قناعته التامة بأنه يرى في المستقبل مالا يراه الآخرون حوله، وأن رؤيته ستحقق الأهداف المرسومة لها. لكن على القائد في الوقت نفسه أن يتقبل انتقاد رؤيته وأن يكون مستعداً للدفاع عنها وإقناع الآخرين بصوابها وجدواها وتذليل كل الصعاب التي يمكن ان تعترض طريق تنفيذها.

1- مقومات الرؤية القيادية الصحيحة :
يجب ان تقوم الرؤية على مصالح محددة وتجيب عن أسئلة مهمة :
أ- ما هي مصلحة البلد في هذه الرؤية؟ ما هي مصلحة المجتمع؟ ما هي مصلحة قطاع الأعمال؟ من سيستفيد منها وكيف؟ كيف يمكن ان تدعم هذه الرؤية الجهود وتكمل الإنجازات التي تحققت نتيجة تنفيذ الرؤى الأخرى؟
ب- هل هي رؤية قائمة استناداً إلى خطط معينة أم أنها خبط عشواء لا علاقة لمرحلة تنفيذية خاصة بها بالمرحلة الثانية؟
جـ- هل هي واقعية قابلة للتنفيذ ام خيالية تستعصي على التنفيذ مهما تكن قوة الإرادة وتكريس الموارد المالية والبشرية لتنفيذها؟ مثلاً بناء مجمعات عقارية وسياحية عملاقة مثل جزر النخلة وجزر العالم في البحر يتطلب إمكانات كبيرة، وربما عجزت عنها دول أكبر منا، لكن هناك فرقاً كبيراً بين بنائه في الإمارات وبنائه في كوكب زحل!
د - ما هو التوقيت الأمثل لطرحها؟
هـ- ما هي أفضل الطرق لتنفيذ الرؤية؟
و - هل يتوافر فريق العمل الذي سينفذ الرؤية؟ من سيضم، ومن أين سنحصل على المهارات التي يتطلبها تنفيذ الرؤية؟
ز - ما هي مصادر تمويل الرؤية؟
ح - ما هي عناصر خطة إقناع المستثمرين بالمشاركة في تمويل الرؤية؟
ط - ما هي عناصر تسويقها بعد تنفيذها، ولمن سنسوقها، وأين، ومتى؟

2- مواصفات الرؤية القيادية الصحيحة :
أ- أن تجسد الامتياز في الشكل والمضمون والتنفيذ.
ب- أن تكون عناصرها ومحاورها مشبعة بالخيال.
جـ- أن تتسم بالشمولية واتساع الأفق.
د - أن تكون واضحة لأن وضوحها يسهل تطبيق أهدافها.
هـ- أن تتضمن قدراً مناسباً من التحدي ليس لفريق العمل فقط بل لكل أفراد المجتمع.
و - أن يكون لطرحها وقع المفاجأة.
ز - أن تثير العزائم وتشحذ الهمم وتضرم الإبداع والمبادرة في الناس وتحيي في نفوسهم الرغبة في المنافسة.
ح - أن تنأى عن سهولة التنفيذ فتقترب من حدود المستحيل دون أن تصل إليه.
ط - ألا يطرحها القائد قبل أن تختمر في ذهنه ويستكمل بلورتها وربط عناصرها.
ي- أن تكون الفائدة منها عامة والخير شاملاً وألا يكون محصورا بفئة، أو فئات محددة من الناس.
ك - أن تكون إيجابية وأن تعزز تفاؤل الناس بالقائد وبالمستقبل وببعضهم بعضاً، وتقوي ثقتهم بوطنهم وقيادتهم وتعمق انتماءهم الوطني والقومي.

3- تنفيذ الرؤية القيادة الصحيحة، ويتضمن :
أ- خطة العمل : الرؤية بالنسبة لي بوابة إلى خطة عمل متكاملة من ألفها إلى يائها ومقسمة إلى مراحل عدة لكل منها مدة تنفيذ محددة خاصة بها. عندما أقدم رؤيتي لمشروع معين يجب أن تكون رسالتي واضحة لجميع المعنيين بتنفيذها : هذه هي رؤيتي، أريد تنفيذها بالصورة الآتية وخلال هذه المهلة المحددة، وأريد من هذا المشروع تحقيق هذا الهدف وذاك والآخر، وأريده ان يعمل بهذه الطريقة، وهذا هو عدد الشركات التي ستساهم فيه، وهذا هو فريق العمل الخاص بالمشروع، وها هي مصادر التمويل، وهذا ما أتوقعه منه بعد تنفيذه فاستعدوا جميعاً وابدأوا العدو لتحقيقه على بركة الله.
ب- مراحل العمل : إن معرفة كل مرحلة من مراحل الرحلة في الطريق إلى تنفيذ الرؤية حاسمة، لكن يجب على القائد ان يعرف وجهته النهائية. نحن لا نركب السيارة ونقودها في الشوارع من دون ان نعرف إن كنا نريد ان نقصد العين أو ابوظبي. الطريق إلى ابوظبي يعني دخول شارع محدد. الوجهات الأخرى لها طرق أخرى يجب ان أعرفها مسبقاً.
جـ- حشد الطاقات : التحدي الأكبر الذي يواجه القائد هو دفع جميع المعنيين بتنفيذ رؤية معينة في اتجاه تحقيق هذا الهدف المشترك وحشد كل الجهود والطاقات لتحقيق نجاحها. رؤيتي ليست حلماً بحيث تكون مهمتي هي أن أراه في منامي ومهمة الآخرين تحقيقه لي. لا يمكن ان أقعد في مكتبي وانتظر معجزة تحقق رؤيتي. هذا يتطلب عملاً جماعياً منظماً على أعلى درجات الدقة والالتزام. إن مبدأ جماعية العمل ينطبق على الرؤية المحددة التي تتضمن مشروعاً محدداً لكنه ينطبق في صورة أعم وأشمل بكثير على الرؤية الأعم والأشمل. فمثلاً عندما قدمت رؤيتي لجعل دبي المركز العالمي المفضل للمال والأعمال خلا النصف الأول من القرن الواحد والعشرين طلبت من سائر الدوائر والمؤسسات الحكومية والمعنيين بتنفيذ هذه الرؤية التكاتف والعمل معاً كل في مجاله لتحقيق هذه الرؤية وجعلها حقيقة واقعة وطرحت عليه الأسئلة الآتية : كم دائرة لديها خطة استراتيجية مستقبلية؟ هل توجد رؤية لكل دائرة؟ هل تم تحديد عوامل النجاح والأهداف المستقبلية لكل دائرة؟ هل شارك الموظفون في تحديد ذلك أو على الأقل هل تم تعريفهم برؤية الدائرة ورسالتها؟ لكن تحديد إطار العمل شيء والبدء به شيء آخر لذا لم أكتف من جميع الحاضرين بإعداد خطة استراتيجية مستقبلية تحديد الرؤية وعوامل نجاحها وأهدافها المحددة خلال مهلة معينة فقط، بل عرض كل الخطط بعد استكمالها علي شخصياً خلال مهلة معينة تمهيداً لدراستها وتعديلها واستكمال نواحي النقص فيها قبل إقرارها وتنفيذها كجزء مكمل للرؤية.
د - فريق العمل : إن اختيار الفريق من المتميزين والناجحين والمبدعين والمتحلين بروح المبادرة لتنفيذ رؤية معينة هو من أقصر الطرق إلى النجاح.
هـ- التوقيت : وضع الخطط المستكملة الكاملة لا يعني شيئاً على الإطلاق ما لم توضع هذه الخطط موضع التنفيذ وفق جدول زمني صارم. يجب على القائد أن يحدد فترة معلومة لتنفيذ كل رؤية بذاتها وكل مرحلة من مراحل الرؤية أو الرؤى التي يريد تحقيقها. رؤيتي ليست مشروعاً ذا مدة مفتوحة لتنفيذها، وأنا لست صاحب الرؤية الوحيد في العالم. كثيرون عندهم رؤى ربما كانت أكبر من رؤيتي وتمويل أكبر من التمويل المتاح لي، والطريقة الوحيدة لكي أنقل رؤيتي إلى الواقع هي تنفيذها قبل غيري. الفرق الأهم في النهاية بين رؤيتي ورؤية الآخرين أنني استطيع تنفيذ الرؤية وهم ربما لا يستطيعون. التوقيت حاسم ايضا لمرحلة أخرى هي التسويق، لذا فإن موعد التسليم بالغ الاهمية ويجب الالتزام به مهما تكن الظروف.

صناعة التنمية
كيف نسابق بحصان في ميدان السباق من دون راكب؟ الرؤية سباق هدفه النهائي الفوز في معركة ضارية بلا قتال هي التنمية. التنمية اليوم ليست توجهاً بل صناعة قائمة بذاتها. وبما أنني اعتبرها صناعة لابد أن يكون لها إنتاج ولابد أن يكون لهذا الانتاج عناصر معينة. أول عناصر هذا الانتاج هو الرؤية. القائد الناجح هو الذي يطرح الرؤية ويقرر أهدافاً محددة لها، ويرسم مسار تطورها التنموي ويشرف على تنفيذها. الإخفاق في تحديد هذه الأهداف وعدم متابعة تنفيذها وصفة حقيقية للفشل في تحقيق التنمية. حتى لو اشتركنا في السباق بأفضل جواد في العالم علينا ألا نتوقع الفوز إن لم نجد الراكب الذي يوجه الجواد نحو النجاح لذا فإن الرؤية وتحديد أهدافها وعوامل نجاحها عناصر أساسية لضمان نجاح الدولة في تطوير أدائها وتحسين خدماتها والاستجابة الفعالة للتطورات المستقبلية بهدف نهائي هو خدمة الشعب ورفع راية الوطن عالياً في كل مكان. هذا هو الإنتاج الذي أتوقعه من صناعة التنمية. إنه ليس رغبة أو منّة من جانب القائد أو لفتة أو كرماً بل هو التزام مطلق دائم ينسحب أيضاً على الحكومة وجميع العاملين فيها، وهو يتطلب منهم عملاً دائماً ضمن استراتيجية تنموية محددة لا لبس فيها ولا غموض ولا خروج عن الطريق المرسوم.
وإذا كان تحقيق التنمية واجب الحكومة الاول فهناك واجب لا يقل أهمية يقع على عاتق المواطن والمقيم ألا وهو الاسهام في إنجاح هذه المهمة، وهذا لا يتحقق بالصورة الصحيحة ما لم يشعر كل فرد، مواطناً كان أو مقيماً، بأنه جزء من الرؤية التنموية وبأن له مصلحة في الاسهام في تنفيذها وتحقيق أهدافها.
في دبي جنسيات كثيرة بعض مواطنها الأصلية لم تتوصل بعد إلى الصيغة التي تشيع السلام مع جيرانها، وربما كانت تعيش حال توتر شبه دائم أو تقترب بين الحين والآخر من حال الحرب. الإمارات معنية بإحلال السلام بين سائر شعوب الأرض لأنه لا يمكن للحرب ان تحل مشكلة لا يحلها السلام إلا ما ندر، ولا يمكن للتشنج والتوتر ان يحلا مشكلة لا يحلها الحوار الهادئ.
لكن الإمارات لا علاقة لها بالتوتر والحروب والخصام في مناطق العالم الأخرى. الجميع في دبي موجودون لكسب عيشهم والتسابق على تحقيق التنمية وتعزيز المصالح وبناء الحاضر والمستقبل، ومن يعتقد غير ذلك فإن دبي ليست المكان المناسب له. أعتقد ان كل من يعمل ويعيش في دبي يعي هذه الحقائق ويلتزم بها ويعرف حدوده ومسؤولياته وواجباته لان دبي مدينة سلام وحضارة وتسابق على العمل والانتاج والريادة.
يقولون ان دبي آمن مدينة في العالم. هذا صحيح. الأمن عندنا مستواه عال. عندنا شرطة مثل كل دول العالم لكن وجدوها ليس السبب الأساسي في شيوع هذا المستوى المرتفع من الأمن والطمأنينة. شعبنا هم رجال الشرطة وحماة الأمن. لهم في وطنهم مصالح ومنافع وحاضر ومستقبل لذا تجدهم يحرسون مصالحهم ومصالح أسرهم ويسهرون على رعايتهم ولا يريدون أن يلحق بهذه المصالح أي أذى. ربما ساد التوتر علاقات بعض الدول وربما اقتربت من الحرب السافرة لكن مواطني تلك الدول جيران وزملاء وأصدقاء في دبي يتعايشون بسلام وتجانس لان هذا شرط أساسي لحماية مصالحهم.
دبي تحتاج جهود وإبداع ومساهمة كل من يعيش فيها. من له نصيب في حاضر دبي سيكون له نصيب في مستقبلها لكن عليه أن يصون الحاضر ويعمل لمستقبله الذي هو مستقبل دبي أيضاً. إن لم يفعل ذلك فدبي ليست المكان المناسب له، وستجد دائماً بعون الله وتوفيقه من يصنع مستقبلها ويعزز مكانتها.
من يعيش في دبي ولا يملك شيئاً من خير الله في دبي فهناك خطأ يجب تصحيحه : إما لأن هذا الشخص من الذين يحبون التنعم بشمس الصباح وهم في فراشهم، أو أن شمس التنمية في دبي لم تسقط أشعتها بعد على الجميع. إذا كان هذا الشخص من الأصحاب الاقوياء ولم يشترك في السباق مع الآخرين في الصباح فدبي ليست المكان المناسب له. في المجتمع دائماً من يحتاج إلى المساعدة وهؤلاء سيتلقونها لكن على الباقين أن يستيقظوا مبكرين ويسابقوا ويتاجروا ويصنعوا وينتجوا ويبنوا ويربحوا لأن دبي كلها تستيقظ مبكرة وتسابق وتتاجر وتصنع وتنتج وتربح في بيئة تسودها المنافسة الإيجابية والأمن والأمل.
أعتقد أن توفير هذه البيئة يأتي في مقدمة أهداف أي رؤية تنموية، وأعتقد ان تحقيق الشروط القادرة على توفير هذه البيئة يجب ان يكون على رأس أولويات كل حكومات العالم. لا يكفي ان تقدم الحكومة هذه التسهيلات اليوم بل يجب ان تقدمها غداً وفي السنة المقبلة وبعد عشر سنوات وفي المستقبل. لا يكفي أن تقدم الحكومات التسهيلات التي تلبي حاجات الحاضر بل يجب ان تطور هذه التسهيلات لكي تتجاوب مع متطلبات المستقبل. لا يكفي أن تطور الحكومة هياكل الاقتصاد التقليدي بل يجب ان تضع أسس بناء الاقتصاد الجديد وتعمل على تطوير هياكله القانونية والاقتصادية والتقنية. لا يكفي ان تنظر الحكومة إلى المستقبل بل يجب ان تكون فيه. يجب ان تحاول أن تتوقع التحديات التي سيحملها الغد وتضع الخطط المناسبة لمواجهتها.
المستقبل هو شباب هذا الوطن. إنهم رافعو رايته وبناة اقتصاده وعماد مقوماته، وهم الذين سيواجهون تلك التحديات على أرض الواقع وسيتوصلون إلى المعادلة التي تضمن استمرار التنمية والبناء والاستقرار لهم ولأجيالهم من بعدهم. نجاح شبابنا ليس نجاحاً للإمارات فقط بل هو نجاح لشباب العرب في مكان. إنهم أول المستهدفين بأي رؤية اقتصادية وأي جهد تنموي لذا يجب أن تتضمن الرؤية إعداد الشباب ليس لتتبع خطوات الاقتصاد الجديد أو لمماشاته بل للأخذ بزمامه وقيادة مبادراته.
هذا يقتضي التغيير : التغيير في المناهج، التغيير في التدريب، التغيير في التفكير، التغيير في عمل الحكومة، التغيير في الأولويات، أقول باختصار إن معظم الأدوات المناسبة للاقتصاد الجديد أدوات جديدة يجب إحداث التغيير المناسب للتعامل معها وتحقيق النجاح.
وللنجاح في الأعمال والمشاريع مقومات معروفة، لكن لا شيء يعلو على التخصص في زمن التخصص، والمهنية في زمن المهنية، والتقنية في زمن التقنية. زمننا باختصار هو زمن الأفكار العظيمة القادرة على صناعة المشاريع العظيمة وليس زمن حشو العقول بالمعلومات. مئة مشروع ناجح يمكن ان توفر فرص العمل لعشرات الآلاف وتصنع من المستقبل مكاناً افضل لأبنائنا وبناتنا وكل الأجيال بعدهم.
يجب ان يتعلم شبابنا وشاباتنا على مقاعد الدراسة كل المواد المعروفة، لكن يجب ايضا ان يتقنوا خبرات العمل في الشركات والمشاريع كخطوة أولية في طريق تأسيس الشركات وإقامة المشاريع الناجحة، ويجب ان تتاح لهم الفرصة للتفاعل مع الاقتصاد كخطوة أولية في طريق تطويره وإثرائه. يجب ألا نكتفي بتقديم أفضل المدارس والجامعات والكليات لشبابنا وشاباتنا فقط بل ان نقدم لهم أفضل المؤسسات المتخصصة القادرة على تشجيع المبادرة والابتكار ومساعدتهم على تطوير مهاراتهم في حقول الأعمال والمشاريع، والاسهام في تحويل الأفكار المتميزة إلى مشاريع متميزة، وإعداد الهياكل الاستشارية والاستثمارية والإدارية والتسويقية لإنجاح هذه الافكار.
المسؤوليات التي تقع على عاتق الشباب والشابات رجال وسيدات الأعمال في المستقبل كبيرة، لكن تقع على من هم في موقع المسؤولية مثلنا مسؤولية أكبر هي الأخذ بيد هؤلاء ودفعهم في الطريق الصحيح فبدون التحفيز والتوجيه والرعاية والعناية والحب لا ينمو شجر ولا يزهر ورد ولا يفيض نبع ولا يصنع الشباب المستقبل الذي يليق بهم وبوطنهم وبأمتهم.
إن نجاح الامم بنجاح شبابها، وتحقيق النجاح مسؤولية الجميع لا الحكومات فقط. ستفي الدوائر والهيئات الحكومية بالتزاماتها وستقوم بواجباتها كاملة لكن للقطاع الخاص دوره المتميز في إنجاح هذه المهمة التي تفرد لأبناء وبنات الإمارات دوراً محورياً في عملية التنمية ومسيرة التقدم والتطور.
هذا هو طريقنا إلى المستقبل وهذا هو التوجه العام لرؤيتنا. صناعة التنمية عملية تراكيمة، وصنع المستقبل مهمة لا تنتهي. الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، والشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، طيب الله ثراه، مهدا لنا طريق التنمية والعطاء والإبداع ويجب ان نتابع الطريق نفسه. التنمية امتحان كبير فيه نجاح وفيه سقوط. هذا ينطبق على جميع العاملين في حكومة دبي لكنه ينطبق عليّ أولاً. حققنا الكثير لكننا لا نزال في بداية الطريق فلنمسك بأيدي بعضنا بعضاً وننظر إلى المستقبل ونسير على درب الريادة الذي رسمته لنا قيادتنا.











التوقيع





 

 

   

رد مع اقتباس
قديم 28-07-2009, 02:13 AM   رقم المشاركة : 4
معلومات العضو
إدارة المنتدى
 
الصورة الرمزية الحب خالد
 

 

إحصائية العضو









الحب خالد غير متواجد حالياً
المسابقه الرمضانيه  
مجموع الاوسمة 2


الرسالة الشخصية

سـبـ ح ـان الله و بـ ح ـمـدهـ ,، سـبـ ح ـان الله الـ ع ـظـيـم

MMS

افتراضي


 

الفصل الثالث

القيــــادة
طلبت من مديري الدوائر الحكومية مرة تنظيم سلسلة من المحاضرات والندوات يتحاورون فيها مع إخوانهم وزملائهم كل في اختصاصه أو مجال عمله فيركز على محور معين مثل خدمة المجتمع أو تطوير الموارد البشرية أو المهارات الإبداعية وغير ذلك. وبما ان أهداف هذه المحاضرات والندوات هي الإسهام في تسليط الضوء على القضايا التي تواجه مسيرتنا التنموية والتعريف بأغراضها والاستفادة من تجارب بعضنا البعض اقترح البعض أن أتقدم المحاضرين بندوة أتناول فيها موضوع القيادة بوصفه اختصاصي ومجال عملي. وبحسن نية وافقت فهذا شأن أمارسه كل يوم وأعرفه أكثر من أي شخص آخر حولي لذا لن أجد صعوبة في الحديث عنه.
هكذا اعتقدت في البداية لكن ما إن اقترب موعد إلقاء المحاضرة وبدأت محاولة جمع خيوط الموضوع في ذهني وتسجيل بعض الملاحظات في شأنه حتى اكتشفت ان ممارسة القيادة شيء وتعريفها ومن ثم تفسيرها شيء آخر. استطيع الحديث عن الدوائر في إمارة دبي كما مديرو الدوائر أنفسهم تقريباً لكن ان القائد وأمارس القيادة في كل ساعة من حياتي ومع ذلك وجدتها من أصعب المواضيع شرحاً وتفسيراً.
جميعنا يعرف ما هي القيادة ومن هو القائد، لكن القيادة، والقائد، على درجات فمن يقود جماعة غير من يقود جيشاً ومن يقود الجيش غير من يقود الأمة. هذا يعني ان الإنسان يمكن ان يكون قائداً على عمل بسيط لكن قيادة الدول والأمم تحتاج إلى أكثر من هذا بكثير. البعض يقول إن القادة يولدون ولا يصنعون. ربما كان هذا صحيحا، وعكسه يمكن ايضا ان يكون صحيحا. البعض يقول ان القيادة تستعصي على التعلم فهي شيء تملكه أو لا تملكه. ربما كان هذا القول أكثر دقة من سابقه لكن إلى حد ما. ما يمكن قوله بقدر معقول من الثقة المبنية على التجربة والخبرة والمراقبة هو ان القيادة خاصية يملكها البعض ولا يملكها البعض الآخر. هذا التميز يسمح بتحديد القيادة ومفهومها لكنه ليس تحديداً مطلقاً.
ماذا يعني هذا؟
حتى لو تمكنا نظرياً من حصر كل خصائص القيادة ونجحنا بطريقة ما في غرسها في نفس شخص ما فإن هذا لا يعني أننا سنحصل على القائد. أما عمليا فيعني ان غرس خصلة إنسانية واحدة في نفس بشرية واحدة يمكن أن يكون صعباً فما بالك بغرس مجموعة متباينة من الخصال والخصائص المعقدة في شروط موضوعية حيث يمكن ان تكون أكثر تعقيداً، وظروف إنسانية وعضوية واجتماعية وسياسية يمكن ان ترقى إلى مصاف المستحيل؟
إذاً ؟
لا يوجد قالب يمكن أن نضع فيه الخصال والخصائص في النفس البشرية فنحصل على القائد، ولا يوجد قاسم، أو قواسم مشتركة بين القادة فليس كل من يولد يوم الجمعة يصبح قائداً ولا كل ما يولد مطلع الشهر، ولا كل من تخرج من كلية ساندهيرست في بريطانيا أو ويست بوينت في أمريكا أو أي كلية أو جامعة يصبح قائداً، ولهذا قلت قبل قليل ان القيادة من أصعب المواضيع شرحاً وتفسيراً.
أعتقد ان أحد أسباب هذه الصعوبة وجود ملكات وعواطف وطاقات في القائد لا يمكن قياسها أو تعريفها أو تحديدها بسهولة لذا نجد البعض يطلق صفات مثل (السحر والدهاء) على ما لدى القائد لكني افضل الحديث عن (الروح القيادية).
الروح شيء لا يزرع ولا ينزع ففي الروح القيادية أصالة عميقة وجذور ضاربة في الوراثة والفطرة وأغصان تصقلها مؤثرات عدة مثل الزمن والحكمة والعلم والخبرة والتجربة والمهارة والاحتكاك بالآخرين والاطلاع على خبراتهم وتجاربهم وحكمتهم ومهاراتهم.

القيادة والتميز
إن استقراء التاريخ يعطي الانطباع بان القادة يأتون في أصناف مختلفة فالشائع بينهم أولئك الذين لعب الواقع دوراً مهما في صنعهم ففرزتهم الأحداث العظام عن غيرهم وأبرزتهم وأعطاهم التاريخ المكانة التي نعرفها. النادر فيهم من يصنع الواقع فيوجد بحنكته وعقله ونهجه القيادي الأحداث التي يتكون منها الواقع وبالتالي التاريخ، والأكثر ندرة صنف من القادة المتميزين الذين لا يصنعون الواقع فقط بل جزءاً مهماً من وجهة المستقبل وأحداثه.
في التاريخين العربي والعالمي مئات من هؤلاء لكن إذا أردت حصر التاريخ بعمري فإن الشخصية التي أفكر بها دائماً هي شخصية الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، فعلاقتنا كانت علاقة الابن بأبيه بما تتضمنه من الحب وصدق المشاعر، كان، رحمه الله، يجعلك تحبه من تقديره حق التقدير لمن يعمل وينجز، وكان صريحاً مع الناس وأراد الصراحة من الناس لذا عودني ان اكون صريحاً معه في كلامي بكل احترام.
قلت في فصل سابق ان الشيخ زايد علمني قهر المستحيل، لكني أعود الآن لأقول إنه علمني المعنى الحقيقي للحب. لا يستطيع من عرفه إلا أن يحبه لشفافيته وأصالته وصفاء عروبته وفطرته ونقاء سريرته وخصاله وصراحة مواقفه القيادية. إذا تكلم في السياسة فكلامه ليس مجاملة لهذا أو إرضاء لذاك بل لإرضاء الله عز وجل ثم لإرضاء ضميره. لا أعرفه إلا رجلاً واثقاً بربه ثم بوطنه وأمته وبنفسه، رجلاً عند كلمته، إذا وعد وفى واذا استجير أجار. هذه هي صفات القائد المتميز، لكن هناك صفة أخرى تميز بها الشيخ زايد. يمكن ان نخاف القائد، ويمكن ان نحترمه، لكن ان يُنعم الله على قائد بحب شعبه له فهذه قمة ما يمكن ان يطمح القائد في الوصول إليه.
الشيخ زايد علمنا أيضاً ان القيادة مواقف وممارسة يومية وليست كتباً ونظريات. إنها مفهوم إنساني واجتماعي خارج نطاق التنظير. إنها العزم والوثوق بالنفس وبعد النظر وصواب الرأي لكن ليس صواب الرأي العادي. عندما تطرح فكرة يوافق على صوابها جميع الناس، أو جلهم، ثم يكتب لها النجاح فأنت ركبت التيار وحققت شيئاً لا خلاف على نتيجته. التميز في رأيي هو أن تطرح فكرة تقول إنها فكرة صائبة ويقول الجميع عكس ذلك وتسبح عكس التيار وتحققها. هذه ليست رؤية عادية. إنه مثال على القائد الذي يسبق زمانه وينظر إلى الأفق البعيد فلا يرى سراب الأحلام بل واقع الرؤية الصحيحة في الطريق الصحيح الذي يقود الشعب في مسيرة التنمية إلى مستقبل أفضل.
ما هو مثالي على ذلك؟ كثيرون داخل الدولة وخارجها انتقدوا الشيخ زايد على حفر الآبار الجوفية في الصحراء واستغلال مياهها. كثيرون قالوا ان هذه العمل إهدار لثروة طبيعية لا تتجدد، وحذروا من أنه سيلحق أضراراً فادحة بالبيئة ويخل بالتوازن الطبيعي. لم ير أحد من هؤلاء ما في جوف الأرض ولم تكن لدى أي واحد منهم أدنى فكرة عن كميات المياه في المنطقة لكن هذا لم يمنعهم من متابعة انتقادهم. في النهاية بقيت المخاوف في رؤوس أصحابها ولم يحدث شيء مما توقعوه. من كان يسافر في الماضي بين أبوظبي والعين ولا يحمل معه ماءه كان يموت من العطش. الشيخ زايد اكتشف مياهاً جوفية تسد حاجة المنطقة عشرات السنين، وحول الإمارة إلى أكبر واحة على وجه الأرض في أكثر صحارى العالم قسوة.
وما هو المثال الثاني؟ رجل آخر اختار إحدى أكثر صحارى العالم قسوة، ومنطقة من أكثر مناطق دبي عزلة وصب فيها مئات الملايين من الدولارات لبناء واحد من أكبر الموانئ في العالم، ومنطقة صناعية تعتبر الأكبر في الخليج وإحدى أكبر المناطق الصناعية في العالم. لم يبق أحد في الداخل أو الخارج إلا انتقد والدي على قراره لكنه أثبت في النهاية انه الوحيد الذي كان يعرف ما يصنعه. نظر والدي إلى المستقبل ورأى في هذا المشروع فرصة نادرة فاغتنمها.
ما الذي أثبته أيضاً؟
أثبت أن القائد يجب ان يغتنم الفرصة الكبيرة عندما يراها، وإن لم تكن هذه الفرصة قائمة فعليه ان يكون مستعداً لصنعها.

خصائص القيادة
يُقال ان قوما سمعوا صوتاً يهتف بهم : تقدموا ! فقال القوم : نخاف ان نسقط في الهاوية أمامنا فنهلك. فقال الصوت : تقدموا ! فرد القوم : نخاف أن يدفعنا أحد من ورائنا فنهلك. فصرخ الصوت : تقدموا ! فتقدم الناس وما إن وصلوا إلى الحافة حتى هرعت القيادة فدفعتهم وإذ بالناس يطيرون وينجون من الهلاك بدلا من ان يقعوا فيه.
ما هو المقصود بهذه المروية؟ المقصود ان القائد يرى في المستقبل أموراً لا يقدر الآخرون على رؤيتها.
هذه إحدى خصائص القيادة وصفاتها في الوقت نفسه : التطلع إلى الأمام واستشعار الاتجاهات المستقبلية في رؤية يجب ان تكون أبعد من رؤية أي شخص حوله، وتوقع مجرى الأحداث وإعداد الناس لها. لا نستطيع ان نجلس ونكتف أيدينا ونقول: لا نعرف ماذا سيحمل لنا المستقبل ! إذا تركنا الاحداث تصنع لنا المستقبل فإنها ستعطينا المستقبل الذي تريده وليس المستقبل الذي نريده نحن. إذا تركنا الآخرين يصنعون مستقبلنا فإنهم سيعطوننا المستقبل الذي يناسبهم وليس المستقبل الذي يناسبنا.
إذا لم نختر المستقبل فإننا نختار الماضي. ماضينا كان عظيماً وهو في قلوبنا وتكويننا لكن الماضي له أهله ولا نستطيع ان نعيش فيه ولا مكان لنا فيه.
المطلوب اليوم ليس تحرير أنفسنا من الماضي لأنه يعيش في ضميرنا بل تحرير أنفسنا من البقاء في الماضي. نقطة انطلاقنا هي الحاضر وهدفنا هو المستقبل، ويجب ان نقرر كيف نصنع المستقبل وكيف نصنع التنمية. مستقبلنا نعرفه ونعرف الطريق إليه ونحن أولى بصنعه ولدينا القدرة على ذلك لكن إن لم نستطع تحقيق ذلك لسبب من الأسباب، فعلينا ان نترك القيادة، مهما تكن مراتبها، لآخرين قادرين على تحقيق رؤية التنمية.
يجب ان نخطط ونجتهد ونبدع لتحقيق أهدافنا، أما الباقي فعلى الله تعالى.
اني أعتبر جميع أعضاء حكومة دبي وكبار المسؤولين فيها قادة لشعبنا بحكم مسؤولياتهم الكبيرة والوظائف التي يشغلونها في الحكومة. أستطيع تقديم الإرشاد والتوجيه والتشجيع وقيادتهم لتحقيق أهدافنا المشتركة لكن لا أستطيع ان أصنع من كل واحد منهم قائداً. نستطيع مع ذلك أن نحدد معاً الصفات المتوقعة في القائد، سواء كان على رأس الهرم القيادي أو في المواقع القيادية المساندة، وربما استطاع الإنسان في موقع المسؤولية أيا كانت مرتبتها ان ينظر في مرآة نفسه ويقرر ما هي الخصائص القيادية التي يملكها لكي تؤهله لأن يكون قائداً. إن لم يكن يملك مثل هذه الخصائص فلعله يستطيع تطوير قدراته وطاقاته الكامنة وتحسين كفاءته لأداء المسؤوليات الملقاة على عاتقه في أفضل صورة ممكنة.
إذا ما هي أهم الخصائص التي نتوقع وجودها في القائد أو من هم في موقع القيادة :

1- أن يقود ويكون قادراً على القيادة من المقدمة لا من الخلف، وأن يأخذ بزمام الأمور ويقول لمن معه دائماً : هذا هو هدفنا فاتبعوني إليه، وليس : سيروا على بركة الله ونحن من ورائكم.
2- أن يعلي مصالح الشعب ويبلور تطلعاته ويستجيب لحاجاته ويصيغ المعادلة، أو المعادلات التي تضمن تحقيق ذلك من خلال رؤيته، أو مجموعة رؤى ذات الأهداف واضحة، ووضع الجدول الزمني المحدد لتنفيذ كل واحدة منها ومتابعة كل مراحل التنفيذ.
3- أن يأخذ القرار الذي يتصف بالعمق القيادي والذي يعكس هدف الرؤية، وأن يكون مستعداً لأخذ القرارات الصعبة والاقتناع بأن عليه أحياناً أن يتخذ قراره فردياً عندما لا يوافقه القريبون منه ليس لأنه بعيد عن الناس بل لأنه المرجع النهائي في القرار النهائي.
4- أن يتحمل المسؤولية ويقوم بها على أكمل وجه فهذه صفة من أكثر الصفات التصاقاً بالقائد وهي أن يواجه الأخطاء بشجاعة ومهما تكن العواقب ويقول : أن القائد، كل الأخطاء وكل النجاح للفريق. إن القائد من يواجه المسؤولية لا من يتهرب منها، إنه يتمتع بها ويبحث عنها ويؤمن بها ويتحمل تبعاتها كاملة.
5- أن يلاقي الأزمات في الطريق، وان يعترض بصدره الصعاب الكامنة أمام تحقيق أهدافه ويزيل العوائق ويحل المشاكل ويمهد كل الطرق المؤدية إلى هذه الأهداف. القائد رمز لمن يقودهم وهم يتوقعون منه حل المشاكل. هذا لا يعني أن ينشغل القائد بحل كل المشاكل صغيرها وكبيرها فهناك تسلسل قيادي ومن يواجه مشكلة لا طاقة له بها في أي عقدة من هذه السلسلة عليه ان يرفعها إلى القائد الأعلى لمساعدته على حلها.
6- أن يقدم الآخرين على نفسه أو ان يضعهم معه : هذا قول نطقه سهل وفعله صعب. جميعنا بشر وفي البشر أنانيون كثيرون يفتقرون إلى قوة القائد الحقيقي وتواضعه فيضعون أنفسهم قبل الجميع.
7- أن يشاور ويحاور : وقد حض الله المؤمنين على التشاور إذ قال :  وشاورهم في الأمر  ، وقال :  قالت يا إيها الملأ افتوني في أمري ما كنت قاطعة أمراً حتى تشهدون  ، وقال :  والذين استجابوا لربهم واقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون  . ولنا في نبينا محمد صلى الله عليه وسلام القدوة في التشاور فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : (ما رأيت احدا اكثر مشورة لأصحابه من رسول الله صلى الله عليه وسلام ). إن المشورة الصالحة تسدد الخطى وتذهب الخطأ. بعض القادة ينأون عن التشاور ويعتبرونه ضعفا لكني أرى انه يعزز قوة القائد ويدعم رأيه ويزيد احترام مرؤوسيه له. عندما كان الشيخ زايد يبعث إلي ليسألني رأيي في قضية ما، كنت أتساءل ماذا يمكن ان اقول وهو أعرف مني بالقضية وحلها؟ هذا ليس الهدف، فالقياديون يحاولون دائما ان يكسبوا المعرفة من الآخرين فلا يعرف أحد أين توجد الفكرة الكبيرة، ولا يمكن الحكم على الناس من مظهرهم أو مرتبتهم.
وللتشاور ايضا فضائل أخرى فهو وسيلة اكيدة لصقل المعرفة وتسديد القرار وتوسيع الأفق وتمازج الأهداف وإيصال الآراء إلى القادة. إذا أخلص مقدم المشورة النية والتزم الصدق والشجاعة في المصارحة فإن التشاور يمكن ان يكون نوعاً من المساءلة. هذا أيضاً لا يضعف موقف القائد بل يعززه لان هدفه النهائي هو إعلاء الشأن العام والترفع عن خدمة المصالح الخاصة.
8- التفاعل والالتزام : على القائد أن يحدد لنفسه ومن معه رؤية واضحة يتفاعل معها ويلتزم بها التزاماً لا يقهر لأنه إذا فقد هذا الالتزام والتفاعل فسيفقد قدرته على الرؤية الصحيحة وسوف يضل الطريق ويضل من معه.
9- القوة الذاتية : القائد يستمد قوته من ثقته بربه ثم بوطنه وبثبات عزمه وليس من حراساته ومواكبه.
10- الثقة بالنفس : من خصائص القائد الثقة بالنفس فمن يفقد ثقته بنفسه يفقد الثقة بالناس، لذا على القائد ان يظل مرؤوسيه بثقته وأن يثق ببلده وشعبه ويربط بهذه الثقة التصميم على تنفيذ رؤيته وتطلعاته وخططه مهما تكن الظروف.
11- المعرفة وسداد الرأي : من شروط سداد الرأي توافر المعرفة لذا يجب على القائد ان يعرف كيف يقوم بعمله، وان تكون لديه القدرة العقلية والقوة البدنية لإنجاز ذلك. إن عمل القائد لا ينتهي انتهاء الدوام ولا يعرف الإجازات والعطلات، إنه تحفز مستمر واستعداد دائم لاتخاذ القرارات في أي وقت من النهار أو الليل.
12- القدرة على التعبير وإيصال المعلومات : لا نستطيع ان نتوقع من القادة ان يكونوا أساطين في الخطابة وصنعة الكلام لكن يجب ان يملكوا القدرة على التعبير. كان مدربونا في الكلية العسكرية يصرون على هذه النقطة كثيراً فمن المهم للقائد أن يعرف كيف يوصل أوامره إلى مرؤوسيه في صورة تضمن فهم المرؤوسين لتلك الأوامر جيداً قبل تنفيذها منعاً للالتباس ووقع الأخطاء. إن استخدام الأفكار المعقدة والصور المبهمة واللغة المستعصية ذات الكلمات الكبيرة إضاعة للوقت فهي تطرح أسئلة أكثر مما تجيب عنها لأن البعض يسمعها لكنه لا يفهمها تماماً، والبعض يفهمها بطريقة تختلف عن فهم الآخرين لها وهذا يترك المجال مفتوحاً للتأويل والتفسير فتأتي نتيجة التنفيذ خلاف المطلوب. يجب أن يتوخى القائد البساطة في التعبير والوضوح في الشرح واستخدام اللغة التي يستوعبها الجميع وتجنب الإفراط في الشرح وإشباع الموضوع بالتفاصيل الزائدة عن الحد واللف والدوران حول فكرة معينة. حدد الفكرة التي تريد نقلها واختر كلماتك بعناية ثم انقلها إلى مستمعيك. كل ما تقدم في غاية الأهمية لكن يجب ان نعلم ان الكلام ليس وسيلة التخاطب الوحيدة بين البشر لذا على القائد ان يراقب ردود فعل مستمعيه ويلاحظ تصرفاتهم وحركاتهم. عليه اختيار الكلام الملائم لمناسبة بعينها وليكن النطق سليماً والصوت واضحاً والحركات متناسقة والعرض لائقاً بالقيادة وهيبتها لكي تزداد ثقة المرؤوسين برئيسهم ويعلو مقامه عندهم. أما التردد والتلعثم وضعف الاداء والإفراط في التكرار والإكثار من الكلام فليس من القيادة الجيدة في شيء.
13- قوة الحجة والقدرة على الإقناع : من مهمات القائد إقناع مرؤوسيه برؤيته وأهدافه وحشد جهودهم كفريق فعال لتحقيق الرؤية والأهداف. عليه أن يكون مستعداً في كل الأوقات للدفاع عن قراراته ورؤاه متسلحاً بقوي الحجج وسليم المنطق وصحيح المعلومات.
14- الولاء والاخلاص : إخلاص المرؤوسين للقائد مهم لكن الأهم منه إخلاص القائد لمرؤوسيه. ثقة المرؤوسين بالقائد مهمة لكن الأهم منها ثقة القائد بمرؤوسيه ومثلها الاحترام والتقدير والولاء. لكي يطرح فينا القادة الثقة علينا ان نفوز بولائهم وان نستقيم على هذا الولاء. كل هذه علائق مشتركة وسلسلة من حلقات عدة إذا انكسرت حلقة منها لسبب ما فإن الثقة ستنكسر وتحجب وسيكون من الصعب استرجاعها، لذا من المهم جداً ألا يدفع طرف هذه العلاقة الطرق الآخر إلى كسر الثقة.
15- التحفيز والتشجيع وإذكاء الطموح لدى المرؤوسين.
16- القدوة : القائد رمز المجتمع وقدوة شبابه، والناجح من القادة من يكون قدوة حسنة لمرؤوسيه فيكف يتوقع القائد منهم الالتزام إن لم يكن هو أول الملتزمين؟ كيف يتوقع القيادي الإداري من مرؤوسيه احترام الجمهور والعملاء وخدمتهم بشكل جيد إذا كان هو لا يحترمهم ولا يحل مشاكلهم بل لا يقابلهم؟
من حكيم الأقوال : كن قدوتهم تضمن قدرتهم، لذا على القائد ان يكون مثالاً يحتذى في تواضعه وصفاته الشخصية ودرجة تحمله للمسؤولية وعدله وإنصافه وموضوعيته.

الظواهر والبواطن في شؤون القيادة
بعض المرؤوسين أصحاب اختصاصات وربما كان بعضهم أكثر علماً في اختصاصه من القائد. ما يجب ان يفعله القائد هو ان يستشير أصحاب الاختصاص وأهل الحل والعقد ويأخذ زبدة القول ويصنع منه الرأي الثاقب والقرار الصائب. يمكن أن يقترح الجميع كل الإجابات التي يريدون اقتراحها لكن القائد صاحب الجواب الأخير لأنه صاحب المسؤولية الأولى، ولذا فإن الصيغة التي نعتمدها دائماً هي : عقول كثيرة ورأي واحد.
ويحدث في بعض الحالات أن يضفر القائد كل حبات عقد الرؤية أو الفكرة فيخطط لها ويستشير ثم يطرأ تطور معين فيتوقف تنفيذها. على القائد في حالة مثل هذه أن يدرس الأسباب التي أدت إلى ذلك ويوجه المسؤولين إلى اتخاذ الاحتياطات وإقرار الاجراءات لتفادي تكرار مثل هذه التجارب في المستقبل. وأحياناً يحدث العكس فتدفع تطورات أخرى المشروع بسرعة إلى الأمام فإذ به ينتهي بأكبر وأكثر فائدة مما خطط له بكثير. مثالي على ذلك تجربة شركة طيران الإمارات التي انطلقت بطائرتين مستأجرتين عام 1985 وأصبحت شركة عالمية ونخطط لرفع أسطولها عام 2012 إلى 150 طائرة.
هل هو الحظ أم شيء آخر؟ بعض الناس يفسر ذلك بالقول إن القائد الفلاني محظوظ لكني أرى ان القائد الأكثر حظاً منه هو القائد الذي يصنع حظه بيده. إذا كنّا نعني بالحظ هداية الله فلا مرد لحكمه. أما إذا قصد الناس بالحظ شيئاً آخر فأنا لست مستعداً للانتظار لعل الحظ يتوقف عندي :

أقعدت مكتوف اليدين
وتقول حاربني الزمن

لو كنت تبغي خيره
لبذلت من دمك الثمن


الفرص تصنع ولا توجد. إذا كنت قائداً حقيقياً يجب ان تفعل ذلك، وأن تظل يقظاً ومستعداً لاغتنامها بأسرع وقت ممكن فهذه أيضاً من خصائص القيادة الصحيحة ومن أصيل مهماتها لذا يجب ان تتحقق بمنأى عن الغرور والتعالي والترفع والاعتزاز المفرط بالنفس والمعصومية ففي الحديث الشريف : (لا يدخل النار أحد في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان ولا يدخل الجنة أحد في قلبه مثقال حبة خردل من كبرياء).
وليعرف القائد أن تحقيق النجاح في مشروع أو اثنين لا يسوغ له أن يقف على رؤوس القوم ويعلن : أنا خلاص أصبحت الأول بين القادة ولا رأي غير رأيي ونظرتي هي الصواب. هذه عوارض الإصابة بالمعصومية. إنها تجعل القائد يعتقد أنه لا يخطئ أبداً وأنه دائماً على حق ومتى وصل الإنسان إلى هذا الوضع فإنه يبدأ بالتراجع ويدفع نفسه وأمته في اتجاه هاوية بلا قرار.
انظروا إلى أين أوصلنا أهل المعصومية في العالم العربي وانظروا إلى أين أوصل (المعصومون) أنفسهم وشعوبهم في باقي العالم! عندما يعتقد القائد أنه وصل إلى القمة ولا حاجة له بنصح ومشورة أحد فهذا مؤشر أكيد على انه في طريق التراجع. كل الديكتاتوريين هكذا، ومعظمهم يفكر بالطريقة نفسها أياً كان موطنهم كما لو أنهم تخرجوا من مدرسة واحدة، لكن يبدو أن الجدد منهم لم يقرأوا التاريخ بعد كما يجب. كل الديكتاتوريين يفشلون في النهاية ويجرون بلادهم معهم ويدمرون في سنوات قليلة ليس كل جهدهم فقط بل جهد جميع القادة الآخرين قبلهم.
نحن في بداية الطريق لذا لا يوجد ما يبرر الغرور. القادة وحدهم يتحملون مسؤولية السماح لأنفسهم بالوقوع في فخ المعصومية لكن المتملقين يمهدون طريق بعض القادة إلى الفخ الذي ينتظره. القائد يحتاج من يقدم له فاضل القول وصادق المشورة لا من ينصحه اليوم ويخدعه غداً. التملق مذموم عند القائد الذي يثق بنفسه لأنه لا يحتاج أن يقال له : أنت قائد فهو يعرف نفسه ويعرف أنه القائد ولا يريد في ذلك علماً وتذكيراً.
من يقدر قائده ويحترمه ويجله ويرغب بفضله وتقديره فليصارحه وليذكره بأخطائه وعيوبه وليسدد خطاه ويهديه سبيل الصواب. على القائد في الوقت نفسه ان ينبذ أهل التملق ويترفع عن الصغائر وينشغل بتهذيب النفس وإصلاح الخلق وحسن السياسة، وأن يدرك موقعه ويعرف حدود قوته وطاقات شعبه ووطنه ويكرس وقته وجهده وفكره لخدمة الشعب.
طبعاً هناك قادة وهناك قادة آخرون والفروق بينهم تستعصي على المقارنة في الطاقات والقدرات. يمكن أن تكون هذه القدرات من الظواهر لكن القدرات القيادية لا تتمثل في الظواهر فقط. أشرت سابقاً إلى ما أسميه : الروح القيادية، وأعود هنا لأقول ان القائد ربما شعر أحياناً بأن قراره هو القرار الصحيح. ربما كان قلبه دليله، كما يقول الناس، وربما كان وراء ذلك إحساسه العام أو ظنه، وربما قال: شيء في داخلي جعلني أقدم على هذه الخطوة وأنبذ تلك، وشيء هداني إلى هذه الفرصة الواعدة وأبعدني عن فرصة غير ذات جدوى. أي ان هناك ملكات قيادية في دواخل القائد وجوانحه لا يعرف أحياناً كنهها.
كيف يفعل القائد ذلك، ومن أين يستمد هذه الملكات؟ هل هي خلاصة تراكم المعرفة وتجارب الحياة والمعطيات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، أما أنها في اللاوعي؟ هل هي في الجينات؟ كيف يعرف القائد ما يتفاداه وما يقبل عليه ومتى؟ هل هي قدرة ذاتية تضم كل ما تقدم وأشياء أخرى لا نعرفها، وما هو سبيل تملك الإنسان لها؟
إذا أردت تلخيص ما تقدم فلعل في الإمكان القول إن كل قائد يضم عشرات الخصائص والصفات والقدرات في الوعي واللاوعي وما حولهما. وإذا أردت تلخيص مفهوم القيادة المتميزة فربما قلت إنها النتاج الطبيعي للإبداع المتواصل والعمل الجاد والقدرة على تحفيز الآخرين، لكن كل ما تقدم ليس بالطبع القول الأخير لأن القيادة عملية مستمرة.
قلت في بداية هذا الفصل إني أجد القيادة من أصعب المواضيع شرحاً وتفسيراً، ولا أملك إلا أن أنهي الفصل بالقول نفسه. لكن قبل ذلك سأقص على القارئ الكريم هذه القصة بلا تعليق وسأترك له مهمة تفسيرها كما يشاء :
العادة في الكليات العسكرية الدولية أن تبدأ زيارة القياديين الكبار بتفتيش الطابور، والعادة كما يعرف القادة العسكريون في كل مكان أن يحاول قائد الكلية أو المعسكر المزار كسب حظوة القيادي الكبير وإثبات همته ونشاطه بأن يجد حجة للتعليق على أي شيء، كأن يقول لمن في الطابور : فلان! ارفع رأسك!، أو فلان : أشدد نفسك! أو فلان : أصلح ياقتك! وهكذا .
وكنت واقفاً قدام الطابور عندما اقترب مسؤول الكلية مني وقال : فلان مرشح! فقلت : نعم سيدي. فقال : أنت لا تقف وسط الكلية فخذ بعض الخطوات إلى اليسار. فقلت : نعم سيدي! ثم صحت بزملائي : كلية! خطوتين إلى اليمين خذ! ، أي أنني حركت الكتيبة كلها بينما بقيت في مكاني فاستاء مسؤول الكلية من تصرفي لكن القيادي الذي جاء لالقاء محاضرة سُرَّ. وقبل بداية المحاضرة كنت وزملائي نتناول القهوة فاقترب القيادي المحاضر وسألني : لماذا حركت كل من كان خلفك ولم تتحرك انت؟ ففكرت في السبب لكنني لم أجد آنذاك تفسيراً لتصرفي فقلت: لا أعرف يا سيدي. أحياناً أظن أنني رأيت على أرض الكلية علامة يخطها قائد الطابور بالطباشير ليسترشد بها إلى مكانه لكني لست متأكداً أن هذا هو التفسير الوحيد.











التوقيع





 

 

   

رد مع اقتباس
قديم 28-07-2009, 02:15 AM   رقم المشاركة : 5
معلومات العضو
إدارة المنتدى
 
الصورة الرمزية الحب خالد
 

 

إحصائية العضو









الحب خالد غير متواجد حالياً
المسابقه الرمضانيه  
مجموع الاوسمة 2


الرسالة الشخصية

سـبـ ح ـان الله و بـ ح ـمـدهـ ,، سـبـ ح ـان الله الـ ع ـظـيـم

MMS

افتراضي


 

الفصل الرابع

الإدارة
اقترح علي أحد الإخوان مرة تأجيل لقاء خاص ببرنامج دبي للأداء الحكومي المتميز بسبب الأوضاع الصعبة التي يعيشها الوطن العربي واستمرار العدوان على إخواننا الفلسطينيين، فقدرت فيه عاطفته ومشاعره الوطنية والإنسانية لكني قلت له إن تلك الأوضاع تجعل اللقاء أكثر أهمية وتحتم تنظيمه في وقته المحدد. استغرب وسأل : كيف؟ فصرت أشرح له رأيي وأنا استغرب كيف لم يدرك بعد أن الإدارة هي أبرز أسباب الوضع العربي الراهن؟
لقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلام أنه قال : (يا أبا هريرة ألا أدلك على كنز من كنز الجنة؟ لا حول ولا قوة إلا بالله، ولا ملجأ من الله إلا إليه). لا أعرف هذه الأمة منذ بدأت أعي الدنيا حولي إلا وهي في مفترق طرق أو تمر بأوضاع صعبة أو أن العدوان مستمر عليها أو أن الحرب دهمتها لذا سأقول : لا حول ولا قوة إلا بالله، فدواء هذه العلل رص الصفوف ونبذ الخلافات الجانبية والارتقاء فوق صغائر الأمور التي تفرقنا لا الإمعان في التشتت.
يوماً ما ستنتهي الصراعات وسيسترد العرب حقوقهم في كل مكان وستعود القدس إلى أصحابها وسيرتفع الحصار عن كل العرب وسينعمون بالاستقلال والتحرر وسيتمكنون عندها من تكريس جهودهم لتحقيق الريادة مرة أخرى. لا أرى شيئاً من هذا يحدث الآن لذا سأقول مرة أخرى: لا حول ولا قوة إلا بالله، وأضيف : أزمة الأمة العربية اليوم ليست أزمة مال أو أزمة رجال أو أزمة أخلاق أو أزمة أرض أو موارد. كل هذا موجود والحمد لله ومعه السوق الاستهلاكية الكبيرة.
إنها أزمة إدارة.
لو كانت الإدارة العربية جيدة لكانت السياسة العربية جيدة. لو كانت الإدارة جيدة لكان الاقتصاد جيداً والتعليم والإعلام والخدمات الحكومية والثقافة والفنون وكل شيء آخر. إن لم يتطور الأداء الإداري والمفاهيم الإدارية في كل أشكال العمل ومستوياته فإننا سنظل نراوح في مكاننا والمراوحة في المكان هي أقصر طريق إلى استمرار التأخير والتخلف ... والهزائم أيضاً. لم أرى حتى الان جهدا حقيقيا على مستوى العالم العربي للخروج من هذه الدوامة الإدارية لذا قولوا معي رجاءً : لا حول ولا قوة إلا بالله.
الإدارة الجيدة تتطلب مديراً جيداً. في الوطن العربي من السياسيين ما يسد الحاجة ويفيض لكننا نفتقد الإداريين المبدعين القادرين على إخراجنا من المآزق المستمرة التي نعاني منها. حاجة الوطن العربي إلى الخطابة والتصريحات المطولة والكلام المنمق تكاد تكون لا شيء مقارنة بالحاجة الفورية الملحة للبنائين القادرين على إقامة المصانع والموانئ والمطارات والمؤسسات التنموية والاقتصادية. هذا يتطلب توافر الطاقات الإدارية القادرة على حشد الموارد لتحقيق أهداف محددة في فترة زمنية محددة.
الإدارة ليست كلاماً مرسلاً بل علم قائم بذاته. ربما تطلبت معالجات مختلفة لشؤون مختلفة لكنها في الواقع عملية واحدة في السياسة والاقتصاد والخدمات والرياضة وكل نشاط آخر، وغرضها النهائي انتقاء السياسات والقرارات المناسبة من بين البدائل المتاحة وتحويلها إلى أهداف مرحلية يمكن تقييم نتائجها بدقة قياساً على الأهداف المحددة سلفاً. كل الجهد الإداري يجب أن يكون مكرساً لتحقيق تلك الأهداف وخدمة المستهدفين بها، وما لم يحدث ذلك فإن الإدارة لن تدير نفسها وستتحول إلى روتين وهدر وتضييع الفرص والوقت والطاقات والموارد وسنردد كلنا معاً : لا حول ولا قوة إلا بالله.
جزء من معضلتنا في العالم العربي أن هدف الكثير من القرارات ليس خدمة مصالح الشارع العربي وتحسين أحواله الاقتصادية والمعيشية بل إرضاؤه والعزف على الكلام الذي يحب سماعه. هذا ليس الدواء التنموي الذي يحتاجه المجتمع بل المخدر الذي يستمر مفعوله فترة مؤقتة قبل ان يعود الشعور بالألم إلى صاحبه. قيادتنا في الإمارات علمتنا أن نعمل لما فيه مصلحة الوطن والشارع. لو أردنا مثالا لقلنا ان العلاقة بين القيادة والشعب تشبه إلى حد ما العلاقة بين الأب والابن. الأبناء كما يعرف معظم الآباء وأنا منهم، لا يحبون أحياناً الأوامر أو التوجيه. بعضهم يكره الدراسة، وبعضهم لا يريد الذهاب إلى المدرسة، وآخرون يريدون التصرف على هواهم. قبول هذا السلوك لا يجعل الأب أباً جيداً بل العكس. يجب أن يكون الأب جاداً في تعامله مع ابنه إذا كان يريد فعلا مصلحته. يجب ان يحضه على الدراسة في الوقت المناسب وان يعلمه احترام الذات والأسرة والآخرين ويوجهه إلى السلوك الأفضل في البيت والمدرسة والشارع. إذا أراد الأب مساعدة ابنه على الانتقال من مرحلة في حياته إلى أخرى وتحقيق النجاح يجب ان يكون مستعدا لممارسة الدرجة المناسبة من الحزم لمساعدة ابنه. إذا لحق بطعم هذا الدواء شيء من المرارة المؤقتة في أفواه البعض فهذا ليس ثمناً باهظاً لضمان جسم سليم. من منّا لا يريد لابنه أو لمجتمعه الصحة والعافية؟

الانتقال من الدراسة إلى العمل ومن البيت إلى المكتب لا يكشف اختلافاً كبيراً أحياناً. بعض الموظفين يعيش حياة رتيبة فيفضل العمل الرتيب، والبعض مقل بطبعه فيرتاح إلى وتيرة العمل البطيئة، وآخر لا يريد ان يتعب عقله بالتفكير فيختار من المهام أخفها ويلقي على زملائه كبير الأعباء.
لماذا يتصرف مثل هؤلاء بهذه الطريقة في المكاتب والدوائر ومواقع العمل؟ لأنهم تصرفوا بطريقة مشابهة في البيت والشارع والمدرسة. يمكن ان تدرب الموظفين والعاملين، ويمكن ان تكسبهم الخبرات المهنية، ويمكن ان توسع أفقهم الوظيفي لكن مكان العمل ليس بيتا أو شارعا أو مدرسة. إنه مكان مناسب للإنتاج وليس لتعليم السلوك الحسن. مهمة رب العمل أن يدير عمله لكنه لا يستطيع ان يقوم أيضا بمهمة كان من المفروض على أسرة الموظف القيام بها. التصحيح هنا ليس مجرد شيء من المرارة المؤقتة في الفم: إنه العقوبات والحرمان من التقدم الوظيفي وأحياناً الفصل.
ماذا تفعل بهؤلاء؟ كيف تقنعهم بأن العمل من الإيمان، وبأنهم يتلقون راتباً لقاء عمل معين وليس لقاء التنادم وقراءة المجالات الخفيفة خلال الدوام؟ معظم الناس قادر على العطاء، وجميعهم يستطيع أن يقدم أكثر مما يقدمه بكثير لذا يجب ان نعود إلى مثال الأب وابنه ونلجأ إلى الأساليب التي تنتزع مثل هؤلاء من ضجرهم وسأمهم ومللهم وترهلهم النفساني والمهني ودفعهم في طريق الانتاج والنجاح.
الروتين عدو الريادة ونحن في بداية سباق طويل في اتجاه الريادة ويتطلب تحقيق هذا الهدف الابتعاد عن الممارسات الروتينية والتفكير دائماً بطريقة إبداعية. من شاء المشاركة في هذا السباق فليلتزم، ومن شاء غير ذلك فله منا الشكر والحقوق. النشاط يشد النشاط والكسل يشد الكسل، والعمل متعة وهو طريق النجاح. يجب ألا نخاف من الضغوط لأنها آتية. يجب ألا نخاف من التحديات لأنها آتية. يجب ألا نخاف من العمل الشاق. الضغوط والعمل الشاق والتحديات الكبيرة هي التي تصنع الرجال، والألماسة تظل حجراً ما لم تُصقل وبعدها فقط تصبح كريمة.
ما الذي يصقل الإداري؟ العمل والتجربة والالتزام. لم نصل بعد إلى وجهتنا لذا لا نستطيع ان نستريح في ظل نجاحاتنا. حتى عندما نصل إلى وجهتنا سنكتشف أنها ليست أكثر من هدف مرحلي يتطلب الاستمرار في العدو. إذا استرحنا وقمنا لنستأنف العدو سنجد ان الآخرين سبقونا. إذا غفت العزيمة لأي سبب كان فإن إيقاظها ثانية أمر صعب ومن يعتقد غير ذلك فعليه ان ينظر حوله في وطننا العربي. يمكن ان نقدم عشرات الأعذار لتبرير تخلفنا الإداري، ويمكن أن نلوم الظروف أو الآخرين، ويمكن ان نشتكي من عدم توافر الشروط الموضوعية وخلافها لتحقيق السبق لكننا لن نلوم في النهاية إلا أنفسنا. عندما نفشل في إدارة النمو وإدارة الاقتصاد وإدارة الاستثمار وإدارة الموارد البشرية فمن الطبيعي ان نفشل في إدارة كل شيء آخر. كوريا الجنوبية في بداية الستينات كانت أفقر من مصر، وهي تعيش ضغوطاً عسكرية واقتصادية قريبة من الضغوط التي نعرفها لكن هذا لم يقف عائقاً أمام تحولها إلى دولة صناعية كبيرة. تايوان مثلها تقريباً ودول أخرى كذلك حققت إنجازات مهمة في ظروف سياسية واقتصادية صعبة لذا لم يعد ممكناً استخدام قضايانا الكبيرة لطمس فشلنا الإداري الكبير.
تجربتنا في الإمارات علمتنا ان الفرق أحياناً بين حكومة ناجحة وأخرى فاشلة هو عدد العراقيل التي تزيلها من طريق مواطنيها أو تضعها أمامهم. معظم هذا الوطن العربي عراقيل في عراقيل: عراقيل أمام الطالب، عراقيل أمام رجل الأعمال، عراقيل أمام التاجر، عراقيل أمام المستثمر، عراقيل أمام المبدع، عراقيل أمام المرأة وهكذا. معظم هذا الوطن العربي اختناقات في اختناقات : اختناقات في الدوائر، اختناقات في المطارات، اختناقات في انجاز المعاملات، وهكذا حتى يكاد المرء يحسب ان عمل الحكومات ليس فك الاختناقات لكي تطلق الأعمال والمواهب والطاقات، وليس معالجة الروتين لتقليص الوقت الذي يتطلبه الحصول على الشهادات والأوراق الرسمية وتخصيص ما تبقى للعمل والإنتاج وصنع الثروة بل إغلاق كل باب مفتوح وإسدال الستارة على كل طاقة تنفذ منه شمس الفاعلية التي تقتل الروتين. إن لم تكن لدينا القدرة على بناء مضامير السباق نحو التنمية الصحيحة أفلا نستطيع على الأقل إزالة العراقيل؟ ثم لماذا هذه العلاقة غير الطبيعية بين المواطن والموظف؟ هل المواطن في خدمة الموظف ام ان الموظف في خدمة المواطن؟
نستطيع في الوطن العربي أن نعطي أكثر مما نعطيه حالياً بكثير. نستطيع أن نبدع أكثر مما نبدع حالياً بكثير. نستطيع أن نسابق وأن نفوز. نحن في دبي لسنا عباقرة زماننا. ما نفعله هو ما نعتقد انه الطبيعي والمنطقي في الأمور. لكن ربما كان الفرق أننا حين نقول إن ثروتنا الحقيقية هي أبناء وبنات الإمارات فنحن نقول ذلك بالفعل والممارسة.
لكي تأخذ يجب أن تعطي. لكي تحصل على الموهبة يجب ان تنميها، ولكي تحصل على المدرب الجيد يجب ان تدربه أولاً، ولكي تصنع القياديين عليك أولاً ان تأخذ بيد أصحاب المواهب الواعدة وتخضعهم للتجارب القاسية والامتحانات العملية الصعبة وتعلمهم فنون اقتناص الفرص الجيدة وتفادي الوقوع في فكي الفشل.
الإنسان فعلا أغلى ما تملكه الأمم والشعوب. إنه أهم عناصر التقدم لأي أمة أو دولة. نحن نعتبر التنمية البشرية مقياساً لتحديد مدى تقدم دولتنا فمن دون موارد بشرية مدربة لمن لن تستطيع أي جهة تحقيق النجاح. هذه مسؤولية الإدارة لكنها مسؤولية القائد أولاً لأنه قائد الإدارة والمجتمع.
الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، يرحمه الله، علمنا ان القائد الذي يريد إعلاء شأن شعبه هو من يدرك أهمية تدريب الموارد البشرية وإكسابها المهارات والقدرات والخبرات اللازمة حتى تتمكن من إنجاز مهامها بكفاءة واقتدار، ويوجه الإدارات لإعداد وتطبيق الخطط الفعالة الكفيلة بتحقيق هذه الأهداف فإدارة التنمية في النهاية ما هي إلا إدارة الناس.

الإدارة والقيادة
يقول ابن خلدون : (اعلم أن مصلحة الرعية في السلطان ليست في ذاته وجسمه من حسن شكله أو ملاحة وجهه أو عظم جثمانه أو اتساع علمه أو جودة خطّه أو ثقوب ذهنه وإنما مصلحتهم فيه من حيث إضافته إليهم). هذا يتطلب من القائد الرفق بمن يقودهم والنظر لهم في معاشهم وتيسير أمورهم والتأكد من أن الإدارة المكلفة بهذه المهام تؤدي واجباتها على الوجه الأكمل فإخفاقها في ذلك إخفاق له وضعف خدماتها إضعاف لموقعه لأن العواقب ترتد إليه وعليه.
وبسبب الاشتراك في المسؤوليات لا يوجد خط قاطع بين القيادة والإدارة فالقائد بمثابة المدير الأول إلا أن خبراء في الإدارة الحديثة والقيادة وباحثين في هذا المجال حددوا فروقات أساسية بين القائد والمدير وبينوا وجود صفات تميز القائد عن الإداري، منها :
• القائد يقود الشعب لكن المدير يقود مجموعته.
• القائد يسير أمور شعبه بينما المدير يسير أموراً جارية.
• القائد الجيد محل ثقة الناس فتراهم يتبعونه في الطريق الذي حدده لهم حتى عندما لا يرون نهاية هذا الطريق لكن الإداري لابد ان يرى الطريق أمام مجموعته.
• القائد يضع الرؤية ويرسم الخطوط العريضة للاستراتيجية بينما المدير حلقة في سلسلة التنفيذ.
• القائد له منصب ثابت بينما يمكن نقل المدير إلى أي دائرة.
• القائد يركز على نتائج ما يقدمه من جهد وخدمة ويهتم بتأثيراتها الإيجابية في المجتمع ويتخذ قراراته بناء على ذلك. المدير حامي حمى الأنظمة واللوائح والإجراءات.
• القائد يكسب احترامه وسلطاته من شخصيته وقدراته ومهاراته وحب الناس له لكن المدير يستمد قوته من اللوائح والصلاحيات المعطاة له.
• القائد يشارك بالإنجاز مع الناس ويقدم لهم الدعم والمساندة لكن المدير إجمالاً رقيب ومفتش.
• القائد يعيش لشعبه وواجبه لذا لا يرتبط عمله بساعات عمل معينة بينما عمل المدير محصور إجمالاً بأوقات معلومة ومكان معلوم.
• المرجع الأخير للقائد شعبه وضميره بينما المرجع الأخير للمدير اللوائح والأنظمة.

وربما تساءل قارئ عن سبب إدراج ما تقدم استناداً إلى قناعته ومعرفته الشخصية بأنه لا وجه للمقارنة بين رمز مثل القائد وبين موظف إداري مهما ارتقى منصبه فهذا يعين ذاك وليس العكس، ويمكن لأي شخص قادر ان يصبح مديراً أو وزيراً أو أي إداري آخر، ويمكن نقل مدير من دائرة إلى دائرة ليقوم بمهام مدير آخر أو حتى دوائر عدة لكن لا أحد يحل محل القائد. وهذا التساؤل في محله إذا كنا نتحدث عن السمات التقليدية للقيادة والإدارة لكن طيبعة التنمية في الإمارات تقتضي درجة عالية من التنسيق والمرونة والديناميكية، وهذا يتطلب بالضرورة قدراً كبيراً من المعتاد من التنظيم والتشاور والتنسيق نظراً إلى احتمالات تقاطع المسؤوليات وتراكبها في مشاريع وخطط كبيرة تتطلب عملاً وجهوداً مشتركة من دوائر عدة.
إن أحد أسباب المكانة التي وصلنا إليها في الإمارات هو اهتمامنا بالإدارة وسعينا الدائم إلى التطوير مما يقتضي من القيادة الإدارية تنظيم عمل دوائرها طبقاً لأهدافنا. إذا لم نفهم هذا سنعمل في فراغ ولا نريد للدوائر ان تعمل في فراغ أو ان تحيد عن الخطة المطروحة أمامها. عندما تستوعب الإدارة مجمل الخطة فإن عليها سلوك أفضل الطرق التي تؤدي إلى انسجام الدائرة في الخطة ووضع أهداف واضحة قابلة للإنجاز تحددها لنفسها ضمن الخطة وتتمسك بها. إن تحقيق الأهداف يتطلب تعاون الجميع لذا ينبغي ان يبدأ ذلك بإشراك الموظفين المناسبين في صياغة هذه الأهداف أو استشارتهم في جدواها، ومن ثم شرحها والتأكد من فهم الجميع لها واقتناعهم بها.
ومعظم الأهداف مرحلية لذا على القيادة الإدارية ان تدرس هذه الأهداف باستمرار وتتأكد أنها تلبي الهدف الوطني العام وهدف الدوائر في آن واحد. إن معظم الأهداف يتطلب تضافر الجهود لتحقيقها بالصورة المطلوبة لذا على الدائرة المعنية وضع نظام المراقبة وترتيبات الارتباط وإبقاء خطوط الاتصال والتشاور مفتوحة مع الدوائر الأخرى للتأكد من ان أهدافها والأهداف المرتبطة بها تنسجم مع أهداف الدوائر الأخرى ولا تتعارض معها، مع إعطاء اهتمام خاص للنواحي المالية والإدارية التي تقع ضمن اختصاص الدائرة المعنية.

الصلاح الإداري
يقول الله تعالى :  قالت إحداهما يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين  . القوي الأمين في زمننا هو الموظف المتميز الناجح الكفؤ الفعال الملتزم ذو الأمانة والسلوك الأخلاقي الحميد. إنه الموظف الذي يبحث عنه القادة ومديرو المؤسسات وأصحاب الشركات وأرباب العمل. الأمانة طريق النجاح، والإدارة قدوة فإذا صلحت الإدارة اقتدى بها الموظفون ونبذوا زميلهم الطالح وأقصوه حتى قبل ان تقصيه الإدارة. وإذا طلحت فهي فاسدة مفسدة.
أحد أهم أسباب ضعف الاستثمار الأجنبي هو فساد القطاع الحكومي ونحن نقدم فرصاً استثمارية متميزة وسمعتنا في هذا المجال عالمية ولن نسمح لأحد بأن يسيء إليها مهما تكن الأسباب. الفساد الإداري في الإمارات نحن منه براء. لا نريده ولا نتحمله ولا مكان له في قلوبنا وإداراتنا ولا شفاعة ولا تفهم ولا رحمة لمن يستخدمه طريقا شريرا لكسب الثروة بغير حق، وبناء التحالفات وخدمة المحسوبيات وكسب الود والنفوذ.
هناك شيء آخر تفعله السمكة الفاسدة غير نشر الأمراض وتلويث الهواء النقي برائحة عفونتها. إنها تنشر الفساد في السمك الآخر لذا لا مكان لها عندنا. يجب استئصالها فوراً وإحالتها إلى القضاء لتنال العقاب الذي تستحقه. لا أحد فوق القانون، لكن إن لم يخش البعض القوانين فليخش الله عز وجل، وليتعظ بما قاله الرسول صلى الله عليه وسلام : (المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده).
للإدارة مهمة محددة هي خدمة الشعب بإخلاص ويجب إعلاء مصلحة الشعب على كل المصالح الأخرى، ولا مكان في الإدارة لمن يسبق المصالح الخاصة على المصالح العامة، ولا مكان للمحسوبيات لذا على الإداريين أن يحرصوا على ألا يعملوا خارج الهدف الوطني فنحن نفترض في جميع من يشاركنا الرؤية الصحيحة التحلي بالأخلاق الحميدة والسلوك الشخصي الرفيع الذي لا تشوبه شائبة. لكننا نتحدث هنا عن السلوكيات الإدارية والأخلاق المهنية التي تعتبر جزءاً لا يتجزأ من النهضة الصحيحة فكما أن هناك الموظف الخلوق فهناك المؤسسة الخلوقة لذا نجد خبراء الإدارة يتحدثون عن المؤسسة الأخلاقية الملتزمة بالقيم والمبادئ التي تضع حدوداً لسلوكها لا تتخطاه.
رؤية القائد ليست رؤية اقتصادية وتنموية فقط بل رؤية اجتماعية وأخلاقية تتكامل فيها التنمية مع الأخلاق. يجب أن نحقق أهدافنا وطموحاتنا وننفذ مشاريعنا بأمانة وشفافية وبإنصاف لنا وللآخرين العاملين معنا فيأخذ كل ذي حق حقه حتى يزيد الله البركة في هذه المشاريع. صلاحياتنا أمانة في اعناقنا أنعمت بها علينا قيادتنا لخدمة الشعب وتحسين أحواله ولن نرضى عن الأمانة بديلاً لأنفسنا ولكل فرد من أفراد المجتمع أياً كان موقعه.

يعجبني الإنسان الذي يخاطبني بالصراحة التي ينطق بها قلبه ويقول ما يريد قوله بلا خوف أو مجاملة أو حياء. كيف يتعلم القائد من أخطائه إن قال له البعض ما فعلته بخصوص كذا وكذا كان حسنا مع أنهم يبطنون رأياً آخر؟ تعلمنا نحن القياديين ان نأخذ في الاعتبار ما نسمعه من شخص بسيط، وأنا شخصيا تعلمت من جنود أفراد في جيشنا ووجدت رأيهم صائباً رغم خبراتهم المحدودة.
الشخص الذي أخصه بكلامي من القريبين وهو يصارحني دائماً وجاءني في جلستي الخاصة وقال لي أن الإداريين يصرفون وقتاً طويلا في متابعة برامج التطوير الإداري في دبي وهذا هدر لوقت يمكن أن يستفيدوا منه هم ونحن. أردت التفكير بما قاله فلم أجبه وقتها ثم أخترت لقاء عاماً قريبا شرحت فيه رأيي.
لدى القائد رؤية وهدف ويعرف الطريق الذي يمشي فيه ويبدع في هذا الطريق ولا يستطيع التوقف أو اختصار المسافة لأن معنى هذا اختصار الهدف. الوقت الذي نصرفه في درس موضوع مهم مثل تميز الأداء لم يكن إضاعة للوقت بل خطوة أولى إلى أهداف أكبر ورؤية أوضح. عندما أقول لمن يحضر مثل هذه اللقاءات إنني سعيد لوجودي بينهم فإنني اقصد تماما ما أعنيه. نحن في الإمارات فريق واحد ونحب أن نعامل بعضنا بعضا كأعضاء في الفريق نفسه ونعتبر وجودنا في مكان واحد خطوة إيجابية مهما يكن السبب. حتى لو تحول اللقاء أو الاجتماع أو المحاضرة أو الندوة إلى جلسة نقاش عامة، أو التقينا على القهوة في ما بين الجلسات فإن هذا مكسب كبير للجميع لأن الحوار وتبادل الآراء طريقان أكيدان لبلورة الأفكار والوصول إلى القرارات الصحيحة.
اقتصبنا شيئاً عن السلوك الإداري ونعلي عليه ما ورد في الحديث الشريف : (ان الله تعالى يحب إذا عمل أحدكم عملا ان يتقنه). نحن في الإمارات نحن ان نتقن الأعمال التي نقوم بها. اللقاءات فرصة لكي نتناقش ونتحاور ونتواصل ونستعرض إيجابياتنا وسلبياتنا ففي كل مجتمع هناك سلبيات وإيجابيات، والخطأ والصواب من طبيعة البشر لا فرق في هذا بين الموظف ورئيس الدائرة أو بين رئيس الدائرة والقائد.
إذا شعرت بضيق من أحد فلا أخفيه ويجب ان يعرف السبب فوراً. لا أغفو في قيلولة، لكن عندما أنام ساعتي القليلة ليلاً فنومي راحة وطمأنينة لأنني لا أضمر شيئاً في قلبي. أحب ان يصارحني الناس... وأن اصارحهم. أتقبل النقد لأنه ربما أرشدنا إلى الطريق القويم وأتوقع من الناس أن يتقبلوه مثلي وللهدف نفسه. الإنسان يقول : المدير الفلاني يعمل بكل اجتهاد وتراه مشغولاً طول الوقت. يدخل المكتب صباحاً ولا يخرج الا بعد آخر الدوام. هذا المدير بالنسبة لي مدير فاشل ولو كان مجداً. إن لم يطور نفسه ويطور دائرته ويحسن الخدمات التي تقدمها ويزيد الفاعلية والانتاجية فهو مدير فاشل ومضياع للوقت رغم كل شيء. إذا كان يريد ان يشتكي فليشتك نفسه أولاً ولينتقد نفسه أولاً وليحاسب نفسه أولاً لأنه منح كل الصلاحيات التي تمكنه من أداء مهمته لكنه لم يطور نفسه ولم يطور دائرته.
يعمل الله أنني لا أقصد شخصاً معيناً بكلامي لكن يجب أن يتأكد الإداريون أنهم ان لم يطوروا القطاع العام بسرعة فإن هذا القطاع سينتهي إلى الانقراض على يد التخصيص. إذا استثنينا الشؤون السيادية والأمنية فلا يوجد في اختصاصات القطاع العام ما لا يستطيع القطاع الخاص القيام به. القطاع العام ليس محل منافسة مع القطاع الخاص لكن الطريقة الوحيدة لاستمراره هي ان ينخرط في السباق التنافسي ويرفع الفاعلية والانتاجية إلى مستويات عالية، وينزل قادته إلى أرض الميدان للتحاور مع زملائهم ومع رجال الأعمال والتجار كبارهم وصغارهم والاستفادة من خبراتهم وتجاربهم والتعرف إلى آرائهم بالخدمات المقدمة والمشاريع المنفذة. هذه هي الطريقة المثلى لتحسين الخدمات وتطوير الأداء. هل نستطيع ان نفعل هذا؟ طبعاً، لكن علينا ان نتطور بسرعة.
الإداري الذي يحاول ان يقوم بكل شيء سينتهي إلى القيام بلا شيء على الإطلاق لأنه سيغرق نفسه بالتفاصيل وسيهتدي إلى كل الطرق الجانبية التي يراها لكنه سيضل الطريق الكبير. الصغائر والكبائر موجودة في كل الأعمال فليركز الكبير على الكبائر وليترك الباقي لمرؤوسيه وليصرف جزءاً من الوقت الذي كسبه من ذلك على متابعة أدائهم. إن لم يفعل فهو وإدارته في مأزق لا مبرر له.

التيسير والتعقيد
أفقت مرة من غفوة عميقة في عتمة الليل على لهاث صاخب فوق وجهي ففتحت عيني مندهشاً وإذ بهذا الرأس الضخم يطل علي بعينين بارقتين وفكين مفتوحين كان النفث القريب يخرج منهما ويسقط حاراً متسارعاً على وجهي. كنت يافعاً وقتها وكنت في غرفتي في مزرعتنا في العوير، وكان الحرارة عالية في تلك الليلة فتركت النافذة مفتوحة. وكان عندنا أسد ربّيناه صغيراً فكبر مع الزمن واشتد به العناد وصار التعامل معه صعباً والسيطرة عليه عسيرة فإن رأى جملاً راح إليه وإن رأى بقرة أو شاة قصدها وهكذا حتى ضج أهل البيت منه ونقلوه إلى المزرعة في العوير. ويبدو أن هذا الأسد الضخم رمى بثقله على قضبان قفصه القديم فارتخت فخرج في غفلة من الحراس، وهام في الحديقة حتى وجد نافذتي المفتوحة فعبر منها إلى مخدعي وعرفني وراح يشمني حتى أيقظني.
الحيوانات الكاسرة تشم رائحة الخائف ويمكن ان تنقض عليه لكني أعرف هذا الأسد الطاعن في السن ويعرفني، ومثله لا يخيفني بل يضايقني لأنني أردته ان ينصرف عني لأنام. حاولت إخراجه من الباب فأبى وحاولت دفعه في اتجاه النافذة ليخرج من حيث دخل فتمنع، ثم خطر لي أن الحل الأسهل من هذا العراك الذي لا طائل منه ان أخرج أنا من النافذة ليقلدني، وهكذا فعلت فلحقني وعدت بسرعة فدخلت من النافذة وأغلقتها ورجعت إلى نومي.
أحياناً أفضل الطرق أبسطها وهناك طريقة بسيطة لخروج الإداري القيادي من مأزق جمع كل خيوط الإدارة بيده هي تفويض الصلاحيات. أحد شروط إقناع القيادات الإدارية بقبول مبدأ تفويض الصلاحيات هو اقتناع القائد بالتفويض والعمل بموجبه، لكن رغم ذلك ستجد دائماً مديرين يضنون بإعطاء بعض صلاحياتهم لاي موظف مهما يكن.
يجب ان يعرف هؤلاء ان التفويض لا يعني التخلي عن الصلاحيات والتنازل عن المناصب للآخرين أو فقدان السيطرة على العمل أو مقدمة للاستغناء عنهم. إنها طريقة أساسية لتمكينهم من تخصيص وقت أكبر للتطوير والإبداع والابتكار والقيادة ورفع الإنتاجية وتمكين المرؤوس المناسب من تطوير طاقاته وقدراته القيادية وبناء صفوف ثانية وثالثة في كل الإدارات والأقسام والوحدات التي يديرها. لذا فإن رافضي هذا المبدأ أسيرو العادة والخوف والشكوك وحماة التقاليد الإدارية العتيقة التي تخنق الإبداع وتعيق الحركة وتمنع التطور من السير بالوتيرة السريعة المطلوبة في عالم اليوم، ومثل هذه المواصفات لا تناسب العصر الذي يتطلب استمرار رفع الأداء والإنتاجية.
تحدثنا كثيراً عن الإنتاجية وتحاورنا وعقدنا الاجتماعات ونظمنا اللقاءات مرة بعد أخرى وعاماً بعد عام وصار الإداريون يعتقدون أنهم يؤدون عملاً جيداً لكن لم نر زيادة في الانتاجية ولم نر من التحسن ما يكفي. وضعنا الخطط وجلسنا في المقعد الخلفي، واعتقدنا ان كل شيء على ما يرام وكل شيء سيدير نفسه بنفسه لكن لم يحدث شيء. لماذا؟ لأننا لم نطور أنفسنا وإدارتنا في البداية بالسرعة المطلوبة.
لكي تكون الإدارة منتجة لابد لها من تطبيق مبادئ الإدارة الحديثة وتحديد معايير التطوير الإداري في الاقتصاد الجديد كما تتجسد في برنامج دبي للأداء الحكومي المتميز. واذا طبقت هذه المعايير في صورة صحيحة يمكن ان تضمن تحقيق النجاح على مستوى المؤسسة والبلد، لذا أعطيت التوجيهات للدوائر الحكومية للاستفادة من معايير الجودة في البرنامج وعناصره ومتطلباته وتطوير أنظمتها وتحسين خدماتها وتنمية مكامن قوتها وتلافي سلبيات الأداء. وشملت الخطوة التالية تنفيذ خطوة حكومة دبي الإلكترونية، إضافة إلى خطط ومشاريع أخرى معمول بها وخطط ومشاريع كثيرة في مراحل الاستكمال أو الدراسة أو التخطيط.
لقد اقترحت في فصل سابق ان من شروط الرؤية ان تكون واقعية قابلة للتنفيذ، مما يعني ضمناً ان تكون أهدافها واقعية قابلة للتنفيذ، لأن الأهداف الحالمة والتمنيات والرغبات التي لا علاقة لها بالواقع ليست الأهداف التي نفكر بها. أما الباقي فيجب أن نحوله إلى برامج عمل ذات تنظيم مناسب بإشراف مهنيين مناسبين ولابد أن تخضع هذه البرامج والقائمون عليها إلى التقييم والمتابعة والمساءلة للتأكد دائماً من ان سرعة التطبيق تستجيب لسرعة تحرك الاقتصاد العالمي الجديد.
وربما قال البعض ان الإمارات ليست الدولة الوحيدة التي تنفرد بالرؤى التنموية الواقعية القابلة للتنفيذ، وليست الدولة الوحيدة التي تنفرد بوضع المعايير، وليست الوحيدة التي تضع لنفسها أهدافاً واقعية فما هو الفرق؟ أعتقد ان أحد جوانب الفرق هو تعريفنا للواقع. الواقع بالنسبة لنا ليس الواقع الكائن بل الواقع الذي يجب ان يكون. إذا قلنا إن الهدف من جهود الإصلاح الإداري وبرامج رفع مستوى الأداء الإداري تطوير القطاع الحكومي ليصل خلال فترة قصيرة من الزمن إلى مستوى القطاع الخاص في الخدمات وأساليب العمل الإنتاجية فهل هذا هدف واقعي؟ هذا من قبيل التمني حتى في دول متقدمة، لكنه هدف واقعي مئة في المئة بالنسبة لنا.
لدينا هدف واقعي آخر أعتقد أنه بمثابة حلم لدى الآخرين هو أن نجعل القطاع لعام أفضل من القطاع الخاص في الخدمة والفعالية والأداء لا لاننا نريد إعادة عقارب الساعة وإحلال القطاع العام محل القطاع الخاص بل لكي ندفع القطاع الخاص إلى مرحلة جديدة من التميز والفعالية والأداء.
رددت كلمة سباق حتى الآن 20 مرة ولن أمل من ترديدها في باقي صفحات هذا الكتاب لأن هذه الكلمة تلخص ما يحدث في العالم حالياً. الوقت يمضي وعقارب الساعة تدور والعالم يعدو ولن ينتظرنا أحد. لا نستطيع ان نقول لمنافسينا اصبروا علينا لكي نطور أنفسنا وعملنا. لا نستطيع ان نتوقف الآن. لم أبدأ كتابي بمثل الغزال والأسد عن عبث. أنا لم أقصص حكاية بل وجهت تحذيراً لنا جميعاً وأنا أول من يرتدع به :
إن كنا غزلاناً وتوقفنا ستأكلنا الأسود.
وإن كنا أسوداً وتوقفنا سنموت من الجوع.
هل عندكم بديل؟











التوقيع





 

 

   

رد مع اقتباس
قديم 28-07-2009, 02:19 AM   رقم المشاركة : 6
معلومات العضو
إدارة المنتدى
 
الصورة الرمزية الحب خالد
 

 

إحصائية العضو









الحب خالد غير متواجد حالياً
المسابقه الرمضانيه  
مجموع الاوسمة 2


الرسالة الشخصية

سـبـ ح ـان الله و بـ ح ـمـدهـ ,، سـبـ ح ـان الله الـ ع ـظـيـم

MMS

افتراضي


 

الفصل الخامس

القرار وفريق العمل
هل تعرفون ما هو أقوى شيء في العالم بالنسبة لي؟
إنه القرار الصائب في الوقت الصائب. وأخذ مثل هذه القرارات أهم صفات القائد لأنها تتطلب الجرأة وقوة الإرادة وسرعة البت والإدراك العميق لأبعاد قراره والأهداف التي يريد من قراره تحقيقها. يستطيع القائد بقرار مثل هذا أن يقلب الموازين وان يسبق الآخرين ويصنع شيئاً من لاشيء ويوفر الحظ الذي يريده لشعبه ولنفسه ويعزز مكانته ويزيد احترام الناس له.
إن القيادة هي القدرة على اتخاذ القرار، والقيادة الناجحة هي القدرة على اتخاذ القرارات الناجحة. كل الهدف من الدراسة والمشاورة والبحث والتفكير هو التوصل إلى القرار الصحيح، وكلما ارتفعت جودة المعلومات التي يستند إليها القائد في اتخاذ قراره ارتفعت مثلها فرص اتخاذ القرار الجيد. إن لم يستطع القائد ان يترجم رؤيته إلى قرار ويترجم قراره إلى واقع فهو قائد فاشل، وإذا أراد ان يتجنب هذا المصير على ان يتابع تنفيذ رؤيته ويتأكد من تحقيق أهدافها وفق جدول زمني معين لأن التأخير والتأجيل عدوا النجاح. إذا استعرضنا التاريخ سنجد قادة كثيرين خسروا معارك حاسمة بسبب تأجيل القرار، وعندما اتخذوا قرارهم في النهاية كان الوقت قد دهمهم وتغيرت الظروف فانقلب النصر المتوقع إلى هزيمة.
وراء كل فشل كبير قرار فاشل كبير ووراء كل قرار فاشل كبير حكومة فاشلة أخطأت في حق شعبها، ولم تؤد واجبها على الوجه الأكمل لأنها اضعفت قرارها بتأجيله أو اتخذت قرارات رأتها صائبة، وإذ بها تعطي عكس مردودها وتفرز مضاعفات لم تكن في الحسبان وتعيد تلك الدول إلى الوراء.
لكن كيف يستطيع القائد تفادي اتخاذ القرار الخاطئ؟
لكل قرار أهداف وشروط ومعايير ويجب ان يعرف القائد ما الذي يريده من القرار، وما هي الفوائد والمساوئ المحتملة لكل جانب منه، واين يمكن ان يكمن الخطأ وما هي احتمالاته، وما هي البدائل. لا توجد زوايا مظلمة في أي قرار صحيح. يجب ان يكون الطريق واضحاً في كل مرحلة من مراحله، وفي كل جزء من المرحلة الواحدة. هذا يقتضي دراسة متأنية لكل خطوة من خطوات اتخاذ القرار يضيف إليها القائد ما استقاه من خبراته وتجربته وما تعلمه من أخطائه، ومن خبرات الآخرين وتجاربهم وأخطائهم، ويستشير أهل الاختصاص ثم يحلل كل هذه العناصر بعناية.
لا نأخذ قراراً في شأن مشروع إن لم نكن متأكدين تماماً من جدوى المشروع والقدرة على استيعابه أو تسويقه، لكن عندما نبدأ مشروعاً فإننا لا نتوقف إلا لحظة استكماله، ويتم كل ذلك بسرعة وكفاءة ومتابعة من الجهات المعنية. المعصومية والتحيز والغرور والمحسوبيات ليست المواصفات المناسبة للقرار الصائب فلكي تحقق الإنجاز يجب ان تدرس وتخطط وتعد للقرار إعداداً جيداً.
إعقلها وتوكل. لا تترك الأمور على غاربها ولا تتوقع ريحاً طيبة ما لم تهب لأننا نعرف في بيت الشعر المشهور ان الرياح تأتي بما لا تشتهي السفن. إن أتت هذه الريح فجأة فالأفضل ان يكون قاربك راسياً في الميناء بدلا من ان يكون في عرض البحر. وان هبت الريح وكنت في عرض البحر فيجب ان تعرف ما الذي ستفعله بالضبط لأنه يفترض عندئذ ان تكون فكرت في المشاكل المتوقعة وحلولها، وخططت لكل شيء خلال مراحل الدراسة. هذا يعني أن تترك لنفسك خيارات وان تعتمد المرونة وتبتعد عن ركوب الرأس والعناد.
بعض القرارات سهل يأتي في سياق العمل ويستطيع أي مسؤول اتخاذه، لكن القائد يجب ان يكون مستعداً في أي لحظة لأخذ أصعب القرارات لتحقيق أهداف معينة خلال فترة زمنية قصيرة أو أحياناً بلا أي تأخير. لا أستطيع حصر القرارات الصعبة التي اتخذتها حتى الآن، وبعضها لا يدخل ضمن نطاق اهتمام هذا الكتاب لكن أستطيع ان اعرض على القارئ الكريم مثالين :
خلال حرب الخليج الثانية عام 1991 اضطربت الأوضاع نتيجة القصف والصواريخ والطائرات الحربية فسحبت الشركات الدولية غطاء التأمين عن الملاحتين الجوية والبحرية فاتخذنا على الفور قراراً شجاعاً بالتأمين على خطوطنا الجوية والبحرية في وقت لم يستطع البعض توفير مثل هذا الغطاء واضطر آخرون إلى وقف نشاطهم. وهكذا استمرت خطوطنا الجوية في العمل كالمعتاد وصبت كل البضائع في موانئ دبي ونقلت منها إلى وجهاتها النهائية في الخليج واستفدنا من هذا القرار القوي استفادة كبيرة.
المثال الثاني تضمن الإعلان خلال معرض دبي للطيران في نوفمبر 2001 عن صفقة بقيمة 55 مليار درهم لشراء 58 طائرة ركاب لدعم أسطول طيران الإمارات. البعض آنذاك تساءل عن الحكمة من إبرام هذه الصفقة بعد شهرين من أحداث سبتمبر في نيويورك وما تبعها من انخفاض حاد في حركة السفر الجوية تسبب في أزمة حادة لشركات الطيران في أوروبا وأميركا وغيرهما وأدى إلى إفلاس بعضها. جوابي كان بأن الرؤية المستقبلية هي الدافع الأول، لأن الاستفادة من الصفقة في المستقبل ستكون عظيمة خصوصاً ان أسعار الطائرات التي سنحتاجها لاحقاً ستكون أعلى من السعر الذي دفعناه. أضف إلى ذلك ان الصفقة تعزز الثقة الدولية بشركة طيران الإمارات وتزيد قدرتها على استغلال ازدياد حركة السفر عندما ينتهي الركود العالمي، فمهما يطل الركود فلا بد ان ينتهي يوماً ولا بد ان يستأنف الناس الطيران مرة أخرى لذا ليس من الحكمة في شيء ان نسمح للتطورات الطارئة بان تؤثر في تخطيطنا البعيد المدى، ولذا لم نتردد في اتخاذ هذا القرار وكل ما حدث منذ ذلك الوقت لم يثبت فقط صواب القرار بل صواب توقيته أيضاً.
وبعض القرارات يأتي في إطار قرارات اشمل ورؤية ابعد بكثير. مثلا عندما افتتحت طيران الإمارات خطا مباشرا بين دبي وأوساكا قالت لي فوسايه أوهتا حاكمة مدينة اوساكا ان هذه الرحلات ستحقق طاقتها القصوى خلال وقت قصير فوافقتها وقلت إنني كنت متأكدا من هذا لأنني لم أضع في اعتباري ما سيحدث فور تسيير الخط بل ما سيحدث بعد سنة ونصف السنة من تشغيله.
هل تتضمن هذه القرارات المخاطرة؟
طبعاً. لكننا نعتبر أنفسنا أمناء على مصالح الناس وعلى خير البلد. وبما أن خير البلد هو خير الناس لابد ان نفكر كأمناء في زيادة هذا الخير وتحسين معيشة الشعب وهذا يقتضي توخي أقصى درجات الحرص. إن الأرباح الكبيرة في المخاطر الكبيرة لكن هذا لا يعني ان يضرب القائد بعرض الحائط كل المعايير المطلوبة للوصول إلى القرار الصحيح لذا نحن لا نأخذ المخاطر إلا بعد دراستها من كل الجوانب ونستبعد كل ما سوى ذلك من مخاطر مأخوذة على المجهول لا يعرف أحد إلى أين ستجر تلك المخاطر الوطن والشعب والاقتصاد. ولكن ما كل القرارات واحدة ولا كل المخاطر وحدة فهي على درجات ويتطلب كل واحد منها إيفاءه حقه من الدراسة والاستناد في اتخاذه إلى خطة متكاملة متضمنة الموضوع والمسؤول عن التنفيذ والجدول الزمني للتنفيذ والجهة المسؤولة عن المتابعة والبدائل المختلفة. هذا لا يعني أننا لا نرتكب الهفوات لكن الهفوات لم تكن في يوم من الأيام سبباً في فشل أي مشروع.
أستطيع ان اضرب أمثلة كثيرة على قرارات نفذت في شكل مشاريع وحققت النجاح المتوقع منها، مثل أول ملعب غولف ومدينة دبي للإنترنت والتكنولوجيا والإعلام، لكن لا أستطيع ان أقدم أمثلة على مشاريع فشلت. الفشل في تنفيذ القرارات لا نعرفه والنجاح يتحقق رغم كل الانتقادات التي تتوقع للمشروع الفشل. مثالي على ذلك مشروع جزيرة النخلة التي بيعت كل واحداتها السكنية خلال 72 ساعة وقبل بناء جدار واحد في المشروع كله بعدما رأينا ان يكتفي المشروع بأرباح قليلة لكي يزداد تعميم فائدته.
ومن الضروري ألا يكتفي القائد بإقناع شعبه انه يعمل لصالحه من خلال أخذ القرارات التي تعود على الناس بالفائدة بل يجعلهم يلمسون ذلك لمس اليد من خلال استهداف المشاريع إلى تحقق هذا الغرض وتوزيع كعكة الثروة على أكبر عدد ممكن من الناس لأن هذا سيحفزهم على الإنفاق وبالتالي تسريع دورة الاقتصاد. إن العمل لصالح الناس يعني ضمناً العمل لصالح التجار لأنهم أعمدة اقتصاد الوطن وكلما قويت هذه الأعمدة قوي الشعب وشبع وارتاح وصب جهده وتفكيره على صنع الثروة فقويت الحكومة وتحسنت قدرتها على اتخاذ القرارات المناسبة التي تصب في هدف زيادة ثروة الوطن. إنها دورة واحدة في سلسلة واحدة اتصالها يضمن الخير للجميع وانقطاعها يقطعه.
البعض يريد أن يعرف ما هو المشروع الأقرب إلى قلبي، وجوابي إن الأمر يعتمد على المكان والزمان وطبيعة المشروع الذي ننفذه. المشروع بالنسبة لي مثل ولدي أحب ان أظل قربه وأعمل له وأرعاه وأتعهده وأتابع شؤونه إلى ان يترعرع ويكتمل، ثم يأتي مشروع جديد فيصبح هو الآخر ولدي والأقرب إلى نفسي، وهكذا.

فريق العمل
يقول الناس : (الطير يحتاج إلى جناحين لكي يطير)، وأنا أقول : (بس جناحين؟ لو فرد أحدنا جناح طائر كم ريشة سيجد فيه؟ لو نتفنا الريش من الجناحين هل يطير)؟ إذن حتى وجود الجناحين والريش لا يكفي لكي يطير الطير وسأقول لكم بعد قليل لماذا.
البعض يدعي ان العرب جيدون كأفراد وسيئون كفريق لهذا يعانون من تخلف الإدارة وضعف المؤسسات لكن هذا تعميم ظالم لا يمكن البرهنة على صحته. إن بناء الحضارة يتطلب جهداً جماعياً والعرب أبناء حضارة عريقة، وحتى لو نحينا الحضارة جانباً للحظات بوصفها نشاطاً إنسانياً متميزاً فإننا سنكتشف ان العمل الجماعي ضرورة لبقاء النوع وقد رافقت الإنسان منذ الأزل وهي تقتضي التعاون والتنسيق سواء في الزراعة أو العمارة أو الصيد أو في غير ذلك من الشؤون.
يعرف الجميع مدى نجاح أجدادنا في رحلات الغوص. تلك الرحلات مثال جيد على إدراك أهمية الفريق فلكل فرد من أفراده عمل محدد يقدمه في الوقت المناسب بأفضل أداء ممكن. إن تعاون الجميع شرط أساسي لتحقيق هدف العودة بمحصول جيد أما الفردية فكانت تعني الخسارة وربما الهلاك لذا فإن الفريق قوة أساسية وراء كل عمل كبير، وفهم كل عضو من أعضاء الفريق دوره جيدا يزيد شعوره بالمسؤولية المشتركة ويجعله أكثير إصراراً والتزاما بتحقيق أفضل النتائج.
اقتصادنا اليوم أكثر تعقيداً وتنوعاً من اقتصاد الأمس بكثير، ولأجل هذا يستلزم درجة أعلى من التنسيق ليس بين أعضاء فريق العمل الواحد فقط بل بين مجموعة من فرق العمل لتحقيق الأهداف المشتركة التي تتضمنها الرؤية. إن فريق العمل يمثل أحد أهم وسائل إنجاح رؤية القائد من خلال تحقيق أهدافها، لذا فإن القائد الناجح هو من يتصدر الفريق ويحدد مهماته ويختار أعضاءه من المتميزين الناجحين على مجرى من قال : أريد أعضاء فريقي ممن يحبون الفوز ويكرهون الهزيمة. لكن ان لم يجد القائد الفريق المتميز فعليه ان يجمع عناصره واحداً واحداً ويصنعه. يجب ألا يعمل الفريق بامتياز فقط بل أن يفكر بامتياز وان يتصرف بامتياز، وان يكون واثقاً بقدراته وبنفسه ذلك ان الثقة بالنفس أولاً وبالآخرين ثانياً تعزز المسؤولية الجماعية في أي عمل.
ويمكن ان يكون كل عضو من أعضاء الفريق رؤيته الخاصة وطموحه الذي يدفعه إلى التفاني في عمله لكن على جميع أعضاء الفريق ان يكونوا واثقين برؤية القائد، وان يكون لهم فيها رأي إيجابي وان يعملوا على تحقيق أهدافه.
يقوم بناء الفريق الفعال على أسس عدة أهمها الثقة المتبادلة والالتزام والتعاون الوثيق والاتصال الجيد وتحديد الهدف وتقدير أعضاء الفريق وتشجيعهم وحفزهم وإشراكهم في تحمل المسؤولية. ويمكن تحقيق ذلك في وجوه عدة أهمها ضمان مساهمة أعضاء الفريق في الإعداد للمشروع ومختلف مراحله التالية وتفويضهم بالصلاحيات الضرورية لتنفيذه.
ومن أهم مقومات تفويض الصلاحيات ان يعرف القائد لمن يفوض. القائد هو المسؤول الأول والأخير لذا فإن التفويض بالصلاحيات لرئيس الفريق وأعضاء الفريق لا يعني إعفاء القائد من مسؤولية الأخطاء التي يمكن ان يرتكبها المفوض، لأن قرار التفويض نقل مؤقت لبعض صلاحياته وبغرض أداء مهمة محددة أو مشروع معين وليس تنازلاً عن الصلاحيات. ومن البديهيات ألا يفوض القائد وينسى الأمر تماماً، بل عليه متابعة سير العمل أولاً بأول والتدخل لتصحيح المسار أو الإرشاد، ومن الضروري أيضاً ان يعرف المفوض تماماً ان الصلاحيات التي منحت له يمكن ان تسترد في أي وقت. لكن رغم أهمية المتابعة والمراقبة فإن تفويض الصلاحيات يتضمن أخذ المخاطرة فمثلاً عندما بدأنا التفكير في تنفيذ مشروع حكومة دبي الإلكترونية كخطوة إضافية لجعل دبي مركزاً دولياً للاقتصاد الجديد واعتماد التقنيات الحديثة لتطوير الأداء والإنتاجية وخدمة العملاء كنت أستطيع اختيار الفريق التنفيذي من مديري الدوائر المعروفين بالكفاءة لكنني قررت في النهاية جمع الفريق من الصفوف الخلفية واخترت مجموعة كنت متأكداً أنها قادرة على التحرك السريع وإنجاز المهمة الموكلة إلى الفريق بنجاح ليس في الوقت المحدد فقط بل في وقت قياسي.
هذا ليس مثالاً بل نموذجاً لما نفعله في كثير من المشاريع والخطط، ففي كل الحالات هناك عين على الموظف ذي القدرات الواعدة وعين على الفرصة المناسبة له فإذا سنحت الفرصة وعرف ذلك الموظف المهمة المطلوبة منه فإنني انتظر منه أن يبدأ العدو. ومتى وُضع تحت محك التجربة وكان أداؤه كما توقعته فقد يتولى منصباً تنفيذياً قيادياً وربما أسندت إليه مشروعاً أو أكثر وقدمت له خلال هذه المرحلة من طريقه في الفريق القيادي كل العون والدعم والتشجيع الذي يحتاجه. ما هو الشرط الأساسي في كل هذا؟ أن يكون القائد مستعداً لقبول مسؤولية الخطأ الذي قد يرتكبه من يفوضه والمضاعفات التي يمكن أن تنتج من ذلك.
ويقصر بعض القادة اختياره على الوزراء والوكلاء وأصحاب الصف الأول في الإدارة ليجنب نفسه المشاكل التي يمكن ان يسببها التفويض وينعم براحة البال لكن ما هكذا يصنع القياديون في المجتمع. لو لم نمنح الصلاحيات ولم نتحمل مسؤولية أي قرارات أو أعمال فوضناها ولم نتابع عن بعد ونتأكد من حسن سير الأمور لما كان لدينا اليوم هذا العدد من الشباب محل فخرنا لأنهم يضاهون في خبراتهم وقدراتهم أفضل فريق العمل في العالم، ولبقي التقوقع والانكماش مسار حياتهم المهنية بدلاً من الإبداع والحماس والقدرة على الأداء المتميز.
إن الاستمرارية في هذا النهج والمعاملة خلال تنمية القدرات القيادية لدى الموظف المتميز تسهم في استقراره النفسي وتزيد ثقته بنفسه وبمن حوله وتطور مفهوم روح الفريق وتكامل عمل أعضائه ودعم بعضهم بعضا فهذه من المتطلبات الأساسية لقيام الفريق بمهامه بالصورة الصحيحة. ويجب ان يكون كل عضو من أعضاء الفريق واعياً لدوره كحلقة في سلسلة مترابطة بإحكام. إن التوصل إلى هذا المستوى المرتفع من التنسيق خبرة يجب على أعضاء الفريق اكتسابها بالتدريب والتعلم. وفي علوم الإدارة فرع يركز على هذه الناحية بالذات يستقي المتدربون منه مهارات العمل من خلال الفريق وكيف يتقبلك الفريق وكيف تكون عضوا فاعلا فيه.
ولماذا يجب ان تنطبق كل هذه الشروط وغيرها على الفريق وأعضائه؟ لأن وجود الجناحين لا يكفي لكي يطير الطير. يجب ان يرف الجناحان بالإيقاع المناسب. يجب ان يتحركا وكأنهما جناح واحد. ريشة مكسورة واحدة يمكن ان تؤثر في سرعة الطائر وتناسق حركاته في الحط والطيران لذا ترى الطير يسقطها بسرعة لتنبت أخرى سليمة مكانها. من يراقب الطير يلاحظ اعتناءه بتنسيق ريش جناحيه وتخليصها من العوالق، لأن هذا يعطيه الرشاقة وسرعة الحركة والقدرة على المناورة.
الإخفاق في هذا يعني تردي الأداء وربما الفشل.

القائد والفريق
كلنا جنود في جيش التنمية وبحسب الرتب وتوزيع المهام الذي نجده في الجيوش. فريق العمل هي مغاوير التنمية ووظيفتها تنفيذ المهمات الحرجة التي تضمن تحقيق النصر في حرب التنمية. وما لم يتعهد القائد هذه الفرق بالتدريب والتحفيز والعناية والتشجيع، وما لم يكن قادرا على ان يكون على رأس هذه الفرق فلن تستطيع الفرق اقتحام المصاعب وقهرها وتحقيق الأهداف المرسومة لمهمتها.
قلت في غير مكان إنني أجد القيادة من أصعب المواضيع شرحاً وتفسيراً لأن المرجع الوحيد الذي اعتمدته لهذه الدراسة الجديدة هو الخبرة والممارسة العملية اليومية، وسأضيف هنا أن ممارسة القيادة صعبة هي الأخرى.
كثيرون سألوني ما هو أصعب شيء واجهته خلال عملية التنمية على مدى العشرين سنة الماضية، لذا سأستغل وجودنا معاً في صفحات هذا الكتاب لأكشفه أخيراً: إنه إبلاغ المعلومة إلى المعنيين بعملية التنمية لكي يفهموا بالضبط ما الذي أريده. إنه التأكد من ان العاملين معي يعرفون ما هي رؤيتي بالتحديد وما الذي أريد من كل واحد منهم القيام به لتحقيق أهدافها والتعرف جيداً على طريقها ووضوح كل مرحلة من مراحل الطريق في أذهانهم لكي لا نحيد عن الرؤية ونضل الطريق إلى أهدافها.
المشاة ليسوا كالخيالة. إذا كانت وتيرة التنمية بطيئة والأهداف عادية والطريق قصيرة فالمشاة يمكن ان يكونوا جيشاً مناسباً لكننا نريد ان نسابق الناس في مضمار التنمية الدولي ولا يمكن ان نحقق الفوز بالمشاة. نريد كوكبة من فرسان التنمية لكي يواكبوا الفارس الذي يقودهم وإعداد هؤلاء يتطلب وقتاً طويلاً وجهداً وصبر الوالد على ولده وتشجيعه وتهذيبه إلى ان يتمكنوا من مجاراته.
هل اقتصرت هذه الصعوبة على من أتعامل معهم في القطاع العام؟ لا. عرضت مرة رؤيتي للحكومة الإلكترونية في اجتماع عام وكنت أرى كثيرين من مكاني على المنصة يتلفتون يميناً وشمالاً للاستفسار عن هذا الموضوع. وبعد الانتهاء من عرض رؤيتي جاءني شباب مثقفون وسألوني : ما هي الحكومة الإلكترونية، وماذا سيحدث لشركاتهم، وكيف ستؤثر في أعمالهم!
باختصار لقد كان الجهد عظيماً لكن الجميع عرفوا مهمتهم في النهاية وسارعوا إلى التنفيذ وصرنا الآن في مضمار السباق معاً واعتبر هذا الإنجاز مكافأة كبيرة لي.
لقد قلت قبل قليل إن ممارسة القيادة صعبة لكنني استمتع بعملي وأتأكد دائما من استمتاع فريقي بعمله لأن من لا يستمتع بعمله لا ينتج.











التوقيع





 

 

   

رد مع اقتباس
قديم 28-07-2009, 02:23 AM   رقم المشاركة : 7
معلومات العضو
إدارة المنتدى
 
الصورة الرمزية الحب خالد
 

 

إحصائية العضو









الحب خالد غير متواجد حالياً
المسابقه الرمضانيه  
مجموع الاوسمة 2


الرسالة الشخصية

سـبـ ح ـان الله و بـ ح ـمـدهـ ,، سـبـ ح ـان الله الـ ع ـظـيـم

MMS

افتراضي


 

التنمية في سبيل البقاء - الفصل السادس

ضفاف الخور

صراع البقاء

كانت تجارة اللؤلؤ بمثابة العمود الفقاري للخليج والإمارات عامة ولدبي خاصة إذ كانت نسبة كبيرة من رعايا المنطقة يمتهنون الغوص أو يزاولون أعمالاً تتصل بهذه التجارة. ونمت تجارة اللؤلؤ في دبي حتى أصبحت من أهم مناطق تجارة هذه المادة النفيسة في الخليج وتعامل تجارها العرب والهنود مباشرة مع أقرانهم في بومباي التي كانت آنذاك من أشهر أسواق تسويق اللؤلؤ الخليجي ومنها كان يشحن إلى أوروبا والولايات المتحدة.
ورغم النمو التجاري الذي جلبه الغوص إلى المنطقة وحققه لسكانها إلا أنه كان في حقيقته معاناة وصعوبة لا تطاق، وضرباً من القسوة اكتوى بنارها الغواصون والبحارة حتى أنه كان أشبه ما يكون بحرب شرسة صمد فيها رجال المنطقة بعزائم لا تلين وعانوا ويلاتها بثبات وقوة من أجل كسب الرزق والحصول على قوت الأهل والعيال فصار ما يحكى عن الغوص لأبناء الحاضر كأنه خيال أو أسطورة لا تصدق لبعد أذهانهم عن تفاصيل تلك الصورة القاسية من التحمل والمعاناة التي عاشها آباؤهم وأجدادهم واقعاً وحقيقة.
ولا أزال أذكر تأثري الشديد بما كنت أسمعه عن المعاناة التي كان الغواصون يواجهونها، وظلت تلك الصور في مخيلتي حتى هاجت في صدري في شكل قصيدة حاولت فيها تجسيد بعض صور ذلك الواقع الأليم والمجالدة الصعبة لتكون مستنداً صادقاً أمام أنظار أبنائنا ليدركوا حجم ما كان يقوم به أهلهم ويتحملونه من شدائد ومشقات من أجل العيش والبقاء والحفاظ على الأرض والكرامة والمقدرات لنرثها من بعدهم على ما نحن عليه من نعيم ورفاهية ورقي وتمدن، ولنذكرهم، رحمهم الله، بشيء من الجميل والإعجاب والاعتزاز بانتمائنا إلى أولئك الافذاذ الذين كانوا بحجم التحديات التي واجهوها :

من رياح الصحاري في بحار الرمال
لحن همس الليالي من خيالي سرى

كان الريح تجري في جنوب وشمال
يوم غيري جفونه غارقه بالكرى

أحمل الشوق وحدي من شموخ الجبال
ويفضح الموق وجدي للذي ما درى

يا صدى الليل خبر هل لديك احتيال
للذي طاري النجوى بقلبه طرى

خبري يا ليالي عن صمود الرجال
واذكري لي وقولي بالذي قد جرى

يا نجوم الثريا هل إليك ارتحال
يمكن اشوف فوقك بعض أسد الشرى

كان في الليل عبره وبسمة وابتهال
وخرت الشهب منها نازله للثرى

وبانت طيوف تسري وكان فيها جلال
وعن كفاح اهل شعبي كنت أسمع وأرى

يا صراع اهل شعبي واهل شعبي مثال
في الصبر والبطوله مجد أمسطرا

كيف أوصف مشاعر وجدها في اشتعال
حار فيها خيالي واعترى ما اعترى

بين أم أولدها لحظة ما تقال
يعجز الشعر يوصف بالذي تشعرا

ومن يودع عياله وادمعه في انهمال
واشتياقه ووجده جمر يتسعرا

ولي يودع حبيبه فايقه في الجمال
بين جفنه وعينه طيفه امصورا

والسفن من كبرها شامخه كالجبال
تنتظر شارة الربان ان يأمرا

موسم الغوص ضرب من ضروب المحال
والبحر فيه ظالم كم عدى وافترى

موسم الغوص قصه م الحكايا الطوال
اسألوا المجد عنها لي كتبها وقرا

موسم الغوص غصه ما محاها زلال
كم لها من عيون دمعها أحمرا

موسم الغوص حرب ليس فيها قتال
والرجال الأشاوس هم لها عسكرا

ويرفعون المراسي ويسحبون الحبال
ويبدي البر عنهم يبعد ويصغرا

ويرتفع صوت نهام يحث الرجال
في حماس ينادي والسفن تبحرا

ويختلط لحن صوته بين هولو ومال
من أنين الصواري ونّته تظهرا


أزمة اللؤلؤ
لعبت المنطقة التي تضم الإمارات دوراً تجارياً بالغ الأهمية في مختلف العصور التاريخية الماضية حيث كانت محطات مهمة للقوافل التجارية البحرية والبرية إلى ان غزاها البرتغاليون في نهاية القرن الخامس عشر واستمرت سيطرتهم على بحارها حتى تمكن أهل المنطقة من توحيد صفوفهم ومناهضة الاستعمار البرتغالي ودحره ثم طرده خارج المنطقة.
وساهم حكام دبي بقوة وفاعلية في استقرار دبي وازدهار تجارتها وفتح الأبواب أمام التجار والمستثمرين وتقديم التسهيلات لهم فأسفرت هذه السياسة عن نتيجة طيبة وإيجابية أكسبت دبي وضعها التجاري المتميز في المنطقة كاملة.
وأدت الأهمية التي تمتعت بها دبي في ما يتصل بتجارة اللؤلؤ إلى انتعاش اقتصادها فصارت مركزاً مهماً من مراكز استخراج اللؤلؤ وتسويقه في المنطقة لذا كان طبيعياً أن تتأثر أكثر من غيرها بانتكاس الطلب على اللؤلؤ الطبيعي خلال فترة الكساد الذي ضرب المنطقة بأسرها في الثلاثينات من القرن العشرين وأثر بشكل سلبي وكبير على تجارة المنطقة وأدى إلى ظروف معيشية قاسية منهكة في دبي وسائر الإمارات ودول الخليج نتيجة الركود العميق الذي أصاب اقتصادات دول العالم فخسرت الحركة التجارية الدولية نصف نشاطها وقيمتها.
ومن يعرف شيئاً عن الاقتصاد يعرف ان النمو والركود دورتان طبيعيتان في أي صناعة أو تجارة أو اقتصاد، وعلى الحكومات الناجحة استغلال خير سنوات النمو لتخفيف آثار الركود، لكن تطرأ أحياناً ظروف معينة تفاقم الكساد وتعمق ركوده وربما استمر سنوات طويلة مثلما حدث في شأن تجارة اللؤلؤ في الخليج نتيجة أسباب عالمية مرتبطة بتفاصيل كثيرة عن الكساد التجاري الذي خيم على أوروبا واميركا في أوائل الثلاثينات من القرن العشرين وتأثرت بسببه بشكل مباشر وقوي تجارة اللؤلؤ في منطقة الخليج. وعندما تغلق المصانع أبوابها ويقل المال في يد الناس ويصبح شغلهم الشاغل العثور على قوت يومهم فإن الكماليات وكل ما ليس ضرورياً للحياة يكون أول الضحايا لذا تراجع الطلب العالمي على مجموعة كبيرة من السلع وفي مقدمتها اللؤلؤ الخليجي الذي كان يعتبر ولا يزال من أنفس أنواع الجواهر والحلي، فيما قررت دول كثيرة منع استيراد الكماليات نتيجة انهيار عملتها المحلية لعجزها عن تأمين غطاء الذهب. ومع ذلك فإن الطعنة القوية جاءت على يد اليابانيين إذ بدأوا بتصدير نتاجهم من اللؤلؤ الاصطناعي على نطاق واسع في مطلع الثلاثينات.
ولا يمكن عموماً التفريق بين اللؤلؤ الطبيعي والاصطناعي إلا في المختبرات لذا أقبل الناس عليه لانخفاض ثمنه بالمقارنة باللؤلؤ الطبيعي الذي ضعف الاهتمام به وانصرف الناس عنه تدريجاً لارتفاع ثمنه ولم تستطع تجارة اللؤلؤ المنافسة نظراً إلى تكاليف استخراجه العالية. وفيما أخذت دعامات هذه التجارة الخليجية الحيوية في الانهيار بدا واضحاً لسكان دبي وغيرها من المناطق ان الأزمة الاقتصادية أصبحت ثقيلة وخانقة وتتحول بسرعة من أزمة مؤقتة إلى أزمة دائمة.
وكانت السنوات التي تلت انهيار هذه التجارة من الفترات الصعبة التي عرفتها المنطقة وإمارة دبي خاصة في تاريخها نظراً إلى اعتماد قطاعات المجتمع على هذا المصدر الحيوي فأثر ذلك في الاقتصاد وبشكل مباشر وكبير وخسر من جرائه التجار خسارة فادحة تركت ظلالها السلبية على كثير من مجالات الحياة. لكن أهل المنطقة ورعايا دبي كانوا على درجة قوية من الثقة بموعود الله تعالى ثم بقوتهم الذاتية التي تمكنهم من عبور الصعاب ومواجهة الظروف الحياتية أياً كانت قسوتها فاستطاعوا بشيء كبير من التحمل والتفكير وبعد النظر الذي هداهم إلى ارتياد مجالات أخرى من التجارة وتحول كثير من سفن الغوص إلى سفن أسفار تجارية يجوبون به موانئ الدول القريبة والبعيدة وينقلون البضائع والمسافرين إلى جهات مختلفة وتمكنوا بكل هذا وغيره من إحلال المجالات والنشاطات التجارية الجديدة محل الغوص وساعدهم على ذلك موقع دبي التجاري المميز، ولعب الخور مجالاً مهماً في تنمية التجارة.
وكان لحكمة قادة دبي دور أساسي في ازدهار التجارة ودعم التجار بكثير من صنوف الدعم والمساندة، ولم يمر وقت طويل حتى استعادت دبي وضعها التجاري بأفضل مما كانت عليه، وعبرت من مأزق كساد تجارة اللؤلؤ إلى مجالات رحبة من الاستثمارات التجارية المختلفة التي تطورت وزادت بشكل ملحوظ سنة بعد أخرى لتشكل في النهاية السمعة الطيبة التي اكتسبتها دبي في كونها المدينة التجارية المهمة على ضفاف الخليج دون منافس.

البحث عن بدائل
يقولون ان كل المنجزات التي حققها الإنسان عبر التاريخ عبارة عن حلم وفكرة. ولقد تحدثت عن بعض أقسام هذا الكتاب عن الحلم والرؤية والفكرة وسأحاول في فصول قادمة تسليط مزيد من الضوء على الأهداف التي نريد تحقيقها من الأحلام والرؤى والأفكار حتى منتصف هذا القرن وما بعده.
قبل نحو ثلاث سنوات تحدثت عن الحلم الذي بدأ يتحقق وقلت إننا نطمح إلى زيادة قدراتنا التنافسية العالمية التي تتضمن موقعاً استراتيجياً بين الشرق والغرب، وبنية تحتية متطورة تجمع بين الجودة والتكلفة الاقتصادية الفعالة والحد الأدنى من البيروقراطية وسياسات اقتصادية حرة وغياب الضرائب.
هذه مفاهيم اقتصادية تبدو غاية في العصرنة، بل إن مفهوم (غياب الضرائب) مفهوم متقدم ليس على العصر فقط بل على المستقبل المرئي أيضاً لان معظم دول العالم، بغض النظر عن درجة نموها وتقدمها، لم تجد بعد المعادلة الاقتصادية التي تمكنها من مجرد التفكير بالغاء الضرائب. وإذا أردنا ان نكون أكثر واقعية علينا الاعتراف بان الضرائب أصبحت في دول كثيرة صناعة قائمة بذاتها لم تتوقف عن النمو منذ نهاية الحرب العالمية الثانية فكثرت طبقاتها وشرائحها وتعددت مستوياتها وأنواعها وباتت تطال الأحياء والأموات على حد سواء، ووصلت الأنظمة الضريبية إلى مستوى متقدم من التعقيد حتى إن غربيين كثيرين يؤدون أعمالاً عادية لا يستطيعون تعبئة اللوائح الضريبية السنوية من دون مساعدة محاسب محترف.
وإذا استطعنا ان نصف مفهوم غياب الضرائب الآن بأنه مفهوم متقدم على العصر فبماذا كنا سنصف هذا المفهوم لو أطلقناه قبل مئة عام حتى لو لم يكن المفهوم شاملاً؟ أنا أصوغ مفاهيم السياسات الاقتصادية المتطورة وغياب الضرائب بكلام العصر لكني أحسب احياناً أنني أردد مفاهيم عرفتها دبي قبل تأسيس منظمة التجارة العالمية بمئة عام، وكانت أحد أهم أسباب المكانة التجارية العالية التي احتلتها دبي ففي عام 1902 أصدر الشيخ مكتوم بن حشر، يرحمه الله، قراراً بإعفاء الواردات من الضرائب الجمركية فتدفقت البضائع المشحونة من الهند إلى دبي وتحولت بسرعة إلى أهم مركز في الخليج لإعادة تصدير البضائع إلى موانئ الدول المجاورة أو شحنها إلى المناطق الداخلية المهمة مثل واحدة البريمي، وانتقل إلى دبي عدد كبير من كبار تجار الخليج.
وتابع جدي الشيخ سعيد بن مكتوم آل مكتوم (1912-1958)، طيب الله ثراه، انتهاج سياسات الانفتاح الاقتصادي وتحرير الأسواق شاملة أهم الصادرات آنذاك وهو اللؤلؤ، فانتقل إلى الإمارة عدد كبير من تجار اللؤلؤ في المنطقة وما وراءها، وأسهم ذلك في انتعاش اقتصادها أيضا وتحولها إلى أحد أهم مراكز التجارة باللؤلؤ. وكانت الإمارة بذلك من بين أكثر المستفيدين من هذه التجارة في الخليج، إلا أنها كانت أيضا الأكثر تأثرا بانهيارها إذ راجت في الإمارة آنذاك نشاطات تجارية وصناعية محدودة إلا ان قسماً كبيراً من تلك النشاطات كان لخدمة تجارة اللؤلؤ أساساً.
وخلال سبعة عشر عاماً بين بداية الكساد الكبير (1929) ونهاية الحرب العالمية الثانية (1945) حاولت دبي العثور على مصادر بديلة لتجارة اللؤلؤ وطرقت كل الأبواب الممكنة لتطوير النشاطات وتقديم الخدمات التي تضمن استمرارها، وفي عام 1937 وقّع جدي الشيخ سعيد بن مكتوم اتفاقية حصرية للتنقيب عن النفط في أغلب مناطق الإمارة مع شركة بترول الساحل المتصالح (وهو الاسم الذي أطلقته بريطانيا على منطقة الإمارات) التابعة لشركة نفط العراق لمدة 75 عاماً بعد مباحثات صعبة استمرت 20 شهراً لقاء 30ألف روبية سنوياً.
وعلقت دبي آمالاً كبيرة على اكتشاف النفط في أراضيها خصوصاً ان الشركة كانت ستدفع لحكومة دبي 200 ألف روبية خلال شهرين من اكتشاف النفط بكميات تجارية إضافة إلى ثلاث روبيات لقاء كل برميل مصدر. لكن الشركة اخفقت في العثور على البترول وتخلت عن امتيازها فعادت دبي إلى التركيز على النشاط الذي تعرفه جيدا وهو التجارة وبالتحديد تجارة إعادة التصدير فكان التجار يستوردون البضائع من دول كثيرة ويدخلونها إلى الإمارة معفاة من الضرائب ثم يعيدون تصديرها معفاة من الضرائب أيضاً. وشملت هذه التجارة عدداً كبيراً من السلع كان الذهب أهمها، وبدأ الاتجار به يزداد بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، ثم ارتفع بحدة بعدما قررت بعض الحكومات منع استيراد الذهب لأسباب اقتصادية محلية. وعززت حكومة دبي تجارة إعادة التصدير عندما شيدت مطاراً دولياً حديثاً عام 1959 وطورت الملاحة في الخور الذي كان ولا يزال الشريان الاقتصادي لإمارة دبي. ومع الزمن وتراكم الخبرة تحولت دبي إلى واحد من أهم مراكز إعادة تصدير الذهب في العالم، وباتت المدينة المفضلة لمجموعة من المصارف والشركات العالمية المعنية بتسويق المعدن الثمين.

الإيجابيات وغيرها
ذهبت مرة إلى والدي وقلت إن هذه الصحيفة وتلك تفتري علينا وتكتب عن دبي ما لا صحة له على الإطلاق واقترحت عليه منعها فهدأني وقال بل الأفضل ان نستمر بالسماح لها بالدخول فإن كان ما تكتبه عنا صحيحاً فنحن نستحق الانتقاد وإن كان افتراء فلن يصدقها أحد، فخرجت من عنده مقتنعاً ولم اقترح بعد ذلك منع مطبوعة مهما كان السبب.
وبين السلبيات والإيجابيات في الصحافة أفضل دائماً ان أقرأ في السلبيات حسن النية فالإيجابيات يعرفها الجميع ولا حاجة لتذكير الناس بها لكن الكتابة عن السلبيات تنبه المسؤولين وأصحاب القرار إلى الخطأ فيسارعون إلى تداركه وتصويبه. ولا أفرض على الصحافة رأياً مهما كان لأنها أعرف مني بعملها ورسالتها. لكن أمنيتي دائماً هي ان تكون السلبيات صحيحة ويأتي الكشف عنها نتيجة التحقيق الميداني وليس استناداً إلى المصادر الخفيفة والإشاعات أو الإيحاءات.
لماذا هذا التمهيد ؟
لأن القول صراحة أو مداورة أو تورية ان حكومة دبي كانت تشجع على تهريب الذهب إلى الهند أو باكستان وغيرهما غير صحيح. الصحيح هو ان الذهب كان يدخل إلى الإمارة في صورة قانونية سليمة بموجب اتفاقات بين البنوك والشركات التي تبيع الذهب والتجار، ويخرج في صورة قانونية سليمة. ما يحدث للذهب عد خروجه من حدود الإمارة لم يكن مسؤولية الإمارة. بريطانيا ظلت في الإمارات حتى عام 1971 وبحثت في الشكاوى من تهريب الذهب لكنها لم تطلب وقف تجارته في أي وقت من الأوقات لأنها وجدت ان التعامل به نظامي.
ورغم الاعتراف بالدور الذي أداه الذهب في تجارة إعادة التصدير خلال الخمسينات والستينات يجب الإيضاح أيضا بأنه لم يكن السلعة الوحيدة التي كان يُعاد تصديرها من موانئ دبي آنذاك إذ كانت السلع والبضائع والآلات التي حملتها السفن إلى باقي الدول الخليجية وإيران والعراق وشبه القارة الهندية وشرق أفريقيا بالمئات. ويجب ان يعرف الجميع ان العامل الحقيقي الذي أخرج دبي من الأزمة الخانقة التي عصفت بها بعد انهيار تجارة اللؤلؤ لم يكن الذهب آنذاك ولم يكن النفط بعد ذلك ولم تكن أي مادة أخرى بل الرؤية المستقبلية التي أتقن حكام دبي صياغتها وأصروا على تحويلها إلى واقع منذ نهاية القرن التاسع عشر.
إن حركة التنمية في دبي الآن ليست سياسة انتقيناها من بين البدائل الأخرى المتاحة في الحاضر، ولم تكن سياسة انتقاها والدي وجدي ومن سبقهما من بين البدائل التي كانت متاحة في الماضي. إنها جزء أساسي من تكوين دبي وجزء أساسي من تفكير قادتها. إنها سلاحنا الأساسي في صراعنا من أجل البقاء، وهي الآن، وفي الماضي والمستقبل، الخيار الوحيد الذي يضمن استمرار دبي ونموها ويكفل درء مضاعفات الأزمات الاقتصادية التي يحملها إلينا الشرق والغرب. إنها تنمية تقوم على مبادئ التجارة الحرة والأسواق الحرة والسماء الحرة والإعفاءات الضريبية، وتضافر هذه المبادئ مع مهارة تجار دبي وخبراتهم العالمية وتعاون كل شعب دبي هو الذي صنع الفرصة العظيمة ووضع الإمارة في مركز الصدارة تجارياً واقتصادياً في منطقة الخليج.

دبي الحديثة
لا يوجد تاريخ معين كنقطة بدء لنهضة دبي الحديثة فالبحث عن بدائل لتجارة اللؤلؤ لم يتوقف منذ انهيار ذلك النشاط، وكان الجهد التنموي مستمراً عندما انتقل جدي إلى جوار ربه وتولى والدي مقاليد الحكم في الإمارة عام 1958. ومع ذلك هناك نقطة تحول في تاريخ دبي الحديث تستوقفني كلما وجدت نفسي أعبر بر دبي إلى ديرة (وهما شطرا مدينة دبي) أو العكس هي الانتهاء من عمليات توسيع الخور عام 1960.
الإنكليز يقولون : (أعطني أي ميناء عندما تهب العاصفة)، ولا يمكن ان يتمنى أي قبطان ميناء أكثر أماناً وسلاماً من خور دبي فهو من أفضل الموانئ الطبيعية في الخليج ان لم يكن في العالم إذ يبلغ طوله نحو 14 كيلومتراً لذا تجمع ضفافه بين ميزتي الوجود على البحر، والوجود على نهر عظيم، ومن الطبيعي ان يشكل شريان دبي ومصدر بقائها وتميزها ونموها على مر العصور.
وكان الخور ميناء جيداً للسفن الصغيرة والمتوسطة الحجم التي كانت ترسو على ضفافه محملة ببضائع يمكن ان يصل وزنها إلى 300 طن، ثم تبحر وهي تحمل بضائع أخرى إلى الموانئ المنتشرة بين الهند وساحل أفريقيا الشرقي. لكن تنشيط الحركة التجارية بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية أدى إلى زيادة الاعتماد على السفن الأكبر التي لم تكن تستطيع دخول الخور فكانت ترسو خارجه وتنقل البضائع على متن سفن صغيرة داخل الخور مما كان يتسبب في تباطؤ حركة النقل وارتفاع تكاليفه.
وانشغل والدي بالبحث عن حل لهذه المشكلة عندما كان ولياً للعهد، فأمر عام 1954 بوضع دراسة اقتصادية وفنية لتوسيع الخور ولم تستطع الحكومة تمويله فعمد إلى تأسيس صندوق لهذا الغرض أسهم فيه أحد البنوك المحلية بمبلغ 200 ألف جنيه وحصل على قرض من الكويت بقيمة 400 ألف جنيه فتم جرف قاع الخور وبناء رصيفين طويلين على الضفتين لخدمة السفن، ثم بناء جسر بين الضفتين هو جسر آل مكتوم الذي افتتح عام 1963.
ورافق استكمال هذه العملية تجديد العزم على البحث عن الثروة النفطية فأمر والدي عام 1963 بتأسيس شركتين لإدارة التنقيب عن النفط في الإمارة هما شركة بترول دبي وشركة دبي المحدودة العاملة في المناطق البحرية ضمتا عدداً من الشركات الأجنبية التي تقاسمت مناطق الامتياز في البر والبحر. وأسفرت هذه الجهود عن العثور على البترول في حقل فتح البحري في العام 1966، ثم في حقل جنوب غرب فتح بعد أربع سنوات من ذلك، وحقلين بحريين آخرين هما فلاح وراشد. لكن الشركات المعنية بالإنتاج واجهت مشكلة في تخزين النفط المستخرج من حقل فتح بسبب ضحالة المياه في تلك المنطقة البحرية، وتم التوصل إلى فكرة رائدة كان من نتيجتها صنع خزانات ضخمة عائمة في دبي قطرت إلى مكان استخراج النفط من آباره البحرية لتخزين النفط فيها مما ساهم في حل هذه المشكلة وشحنت الناقلة الأولى بنفط حقل فتح بتاريخ 22/9/1969، وبات في استطاعة الإمارة تمويل التنمية ودخول مرحلة جديدة من تاريخها الحديث بمجموعة من المشاريع العملاقة التي لم يعرفها الخليج والشرق الأوسط.
وبعد توسيع الخور وتعميقه تمكنت المحامل الكبيرة زنة 800 طن من دخول الخور وتفريغ البضائع وتحميلها وسجلت حركة النقل والتجارة نشاطا كبيرا، توقع والدي استمرارها في صورة أكبر بكثير. ولما كان الخور وصل إلى قدرته الاستيعابية الأكبر من جهة حجم السفن وطبيعتها فقد رأى والدي ضرورة عاجلة في بناء ميناء بحري عميق فأمر عام 1969 بتشييد ميناء راشد بأربعة أرصفة لكن لم يكن العمل انتهى من البناء بعد عندما طلب إضافة 11 رصيفاً. واستكملت هذه المرحلة عام 1972 وتلتها توسعة ثانية رفعت عدد الأرصفة عام 1978 إلى 35 رصيفاً تستطيع خمسة منها مناولة أكبر سفن الحاويات. لكن والدي عاد وفاجأ الجميع عندما وجه قبل سنتين من الانتهاء من عملية التوسعة الثانية بمباشرة بناء ميناء جديد يضم تقريباً ضعفي عدد الأرصفة في الميناء الأول مع منشآت ضخمة لصيانة السفن هو ميناء جبل علي.
وأعتبر عام 1979 نقطة مضيئة في تاريخ دبي إذ استكملت فيه ثلاثة من أهم المشاريع التي عرفتها الإمارة الأول ميناء جبل علي، والثاني مصهر الألمنيوم الذي أقامته شركة ألمنيوم دبي (دوبال) وبدأ بإنتاج أولي كان 135 ألف طن سنوياً، والثالث واحد من أكبر مراكز المؤتمرات ومكاتب الشركات هو مركز دبي التجاري، وبهذا قدم والدي لشعب دبي بنية تحتية فريدة وقاعدة صناعية أولية حققت نجاحاً فورياً وجعلتها مركزاً تجارياً رئيساً على المستوى الإقليمي.

التنمية والتفاؤل
ما الذي يوجد في دبي ولا يوجد عند غيرها؟ البحر؟ كل دول الخليج تطل على البحر. الشواطئ الرملية؟ هذه عند الجميع، ومثلها الصحراء. الطقس العليل؟ لا شيء في الطبيعة التي أحبها أقرب إلى نفسي من نسمات ريح باردة وقت الغروب، والإمارات بحق من المشاتي المثالية في العالم لكنها لا تنفرد باعتدال الطقس في الشتاء ولا بقسوته في الصيف.
الطقس والصحراء والشواطئ الرملية والبحر لا تصنع التنمية. من يصنعها؟ الناس. سر النجاح هو التوصل إلى المعادلة المثالية لتوظيف مهارات الناس واستغلال الصحراء والبحر والخور والشواطئ لصنع تجربة حضارية متميزة. صيغة هذه المعادلة هي الرؤية الصحيحة ومفتاحها هو القائد الذي يجمع إلى نظرته المستقبلية العزم على تحويل رؤيته إلى واقع مهما تكن الظروف. أعتقد ان والدي تميز بشيء ثالث هو عدم وجود فاصل بين رؤيته وبين تنفيذها. الاثنان كانا بالنسبة له شيئاً واحداً والاثنان كانا في سباق دائم مع الزمن ومع الآخرين للوصول أولاً والبقاء أولاً لذا تميزت كل مشاريعه بإنجازها في وقت قياسي رغم التحديات التي برزت مع كل مشروع، وحققت مشاريعه كلها النجاح الذي توقعه وأدت المهمة التي تصورها لكل واحد من تلك المشاريع.
من ينظر من نافذة اليوم إلى مرحلة إنجاز مشاريع دبي الكبرى ثم ينظر إلى بداية الثمانينات، عندما وصل النشاط الاقتصادي في الخليج إلى الأوج، سيكتشف علاقة واضحة بين طفرة المشاريع وطفرة النمو التي أعقبتها، لكن كيف استطاع والدي في السبعينات ان يرى ما ستحمله الثمانينات بتلك الدقة؟
وماذا حدث آنذاك؟
كان سعر برميل النفط عندما انتهت المرحلة الأولى من بناء ميناء راشد دولارين تقريباً لكنه وصل في عام 1982 إلى 38 دولاراً ولم يتوقف سعر النفط عن الارتفاع في كل سنوات السبعينات لذا حمل النفط إلى الخليج مرحلة من النمو لم تعرفها في تاريخها. وكانت دبي بعد تنفيذ تلك المشاريع في الوضع الأمثل للاستفادة منها، في حين أدت زيادة الطلب على الألمنيوم إلى رفع انتاج مصهر دوبال عام 1983 إلى أكثر من 151 ألف طن مثلت قيمة مبيعاته (460 مليون درهم) نحو نصف قيمة صادرات دبي غير النفطية آنذاك، واستمر العمل حثيثاً لتطوير الإنتاج حتى بلغ 722 ألف طن في 2005.
وهناك ميزة أخرى اتصف بها والدي هي التفاؤل. لا يستطيع القائد مهما تصل درجة ثقته برؤيته ان يأخذ المخاطر الهائلة التي أقدم عليها والدي وأن يمضي قدماً في تنفيذ ذلك النوع من المشاريع الأسطورية ويصب فيها عشرات المليارات من دون ان يكون التفاؤل جزءاً أساسياً من رؤيته، ثم الإصرار على تحقيق النجاح والتمسك بالتفاؤل واعتماده كقناعة دائمة حتى عندما يصبح التشاؤم طابع التفكير في المنطقة كلها، ويحجم المستثمرون عن أخذ المخاطر وتطفح القلوب بالشكوك والمخاوف وتظلم الزوايا التي ينظر الناس عبرها إلى المستقبل.
هذا شيء آخر تعلمته من والدي : التفاؤل : التفاؤل بمستقبل دبي وبمستقبل الإمارات والمنطقة، والتفاؤل بشعب دبي والإمارات والخليج وباقي الوطن العربي، والإيمان بأن الاستقرار الاجتماعي الحقيقي هو الاستقرار الاقتصادي، وبأن الهدف من أي تنمية اقتصادية صحيحة ضمان بقاء الشعب والدولة، وتوفير أمن وراحة الناس وحفزهم على صنع الثروة وإتاحة كل الوسائل التي تكفل تحقيق ذلك.
هذه هي الأهداف نفسها التي نسعى إلى تحقيقها اليوم متسلحين بالإصرار نفسه على تحقيق النجاح، وبالثقة نفسها بالرؤية والناس، والتفاؤل نفسه والعزم على تعزيز التميز في تجربة دبي التنموية. هذه هي الاستمرارية التي تعرفها دبي. والدي عايش الأزمة الاقتصادية التي عرفتها الإمارة بعد انهيار تجارة اللؤلؤ بكل مرارتها لذا يعرف تماماً معنى الجوع والعوز والتخلف بكل ألمه وقسوته. كان يريد أن يصلح أوضاع الناس لأنه كان يعرف كم عانوا بسبب الركود. هذا هو الهدف الوحيد الذي كان يشغل تفكيره. كان يريد أن يبني أعلى جدار يستطيع بناءه لكي يبعد شبح الجوع والعوز والتخلف عن دبي إلى الأبد، ومن يفكر بذلك الجدار سيكتشف بسرعة اللبنات التي تكونه : الخور العريض ومطار دبي الدولي وميناء راشد وميناء جبل علي ومصهر الألمنيوم وعشرات المشاريع الأخرى التي أتاحت لمكونات الاقتصاد التقليدي والحركة التجارية الدولية العبور إلى دبي على أعرض طريق يمكن بناؤه.
كل ما فعلناه وما سنفعله في المستقبل هو استكمال رحلة التنمية التي بدأها والدي لكن في ظروف اقتصادية دولية جديدة تتطلب بناء أعرض طريق يمكنه بناؤه إلى الاقتصاد الجديد من خلال تنفيذ خططنا الاستراتيجية الرامية إلى تنويع البنية الاقتصادية، ووضع أسس راسخة للازدهار والتميز، وتحويل دبي من مركز تجاري إقليمي إلى مركز عالمي للمال والخدمات والتجارة الإلكترونية.
الأساس في رؤية والدي التنموية هي التجارة والخدمات. كان لا بد رأى شيئاً في المستقبل وكان سيستمر في تنفيذ رؤيته وسيجد التمويل اللازم لها بغض النظر عن نتائج عمليات التنقيب عن النفط. وفي نهاية عام 1984 كانت مساحة الامتيازات للتنقيب عن النفط في الإمارة نحو عشرة آلاف كليومتر مربع نشطت فيها سبع مجموعات دولية ضخت من 200 بئر نحو 324 ألف برميل بما في ذلك نفط حقل مرغم البري بعد مد خط أنابيب بطول 65 كيلومتراً إلى منطقة جبل علي. وارتفع انتاج الإمارة في السنة التالية إلى 348 ألف برميل، ثم وصل إلى نحو 400 ألف برميل يومياً قبل أن يبدأ التراجع التدريجي ومع ذلك فإن قوتنا الاقتصادية إلى ازدياد وليست إلى تراجع لأننا نجحنا في تعزيز القطاعات غير النفطية وتطوير قطاعات جديدة مثلت مساهماتها في الناتج المحلي الإجمالي (2005) نحو 94٪ أو 37 مليار دولار (136 مليار درهم).
ويجب ان أسجل هنا للحق والتاريخ والاعتراف بالجميل ان دبي ما كانت ستتبوأ المكانة التجارية والاقتصادية التي تتميز بها لولا دعم الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان يرحمه الله لدبي ولحركة التنمية في دبي وثقته التي لم تتزعزع لحظة واحدة بقدر ومستقبل الاتحاد ومساندته لكل الجهود التي تعزز موقع الإمارات على الخارطة الاقتصادية الدولية.
وفعل الشيخ زايد كل هذا وغيره الكثير من خلال الحكم الصالح والشورى والاخلاص وتعظيم العمل والتفاني في خدمة الوطن والشعب والتركيز على التنمية الراقية، وفتح بذلك باباً كبيراً على العالم ولجت منه الإمارات بسرعة قياسية لتحتل مكانها بين الدول المتقدمة، وأحسب أنه غادرنا إلى دار البقاء وهو مطمئن إلى ما أنجزه، ولعمري، إنها إنجازات العظماء الذين يشهد لهم التاريخ. والدي، رحمه الله، واجه تحديات في كل خطوة خطاها واستطاع بعون الله ثم بعزمه وتصميمه قهر كل تلك التحديات، ونحن سنفعل الشيء نفسه بإذن الله تعالى. مرت فترة كان فيها التفكير بنضوب النفط مصدر قلق، لكن هذا القلق يتلاشى لأننا حققنا نجاحاً لافتا في تنشيط التجارة وصنع البدائل وتنويع الاقتصاد وصنع الفرص الجديدة نتيجة إتقان استغلال أفضل مصدر في العالم للتنقيب عن ثروة لا تعرف النضوب سأكشفها لكم الآن .........











التوقيع





 

 

   

رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

(عرض تفاصيل اكثر الاعضاء الذين شاهدو الموضوع : 2
, اسماااء
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 04:49 AM


Powered by vBulletin® Version 3.8.5
Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd.
.:: للأعلي ::.   .:: تصميم عرب فور ديزين لخدمات الويب المتكاملة ::. .:: للأعلي ::.